إذا كان مطلوباً من المواطنين أن يصبروا على تبعات تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، فإن المنطق يفرض أن يوزع "ظلم" الحرب على جميع شرائح المجتمع بالتساوي، فلا يكون حكراً فقط على الفقراء وأصحاب الدخل المحدود..!
فما الذي يمنع أن يتحمل التجار، مثلاً، جزءاً من الخسارة في هذه المرحلة على الأقل؟ وهل أثرياء الحرب يتألمون اليوم كما يتألم فقراء البلد؟ وماذا عن المسؤولين الذين فاحت قصص فسادهم وثرواتهم؟
نعم.. ليتألم الجميع من دون استثناء، وإلا فإن القوى الفاعلة والمؤثرة فعلاً في المشهد الاقتصادي المحلي، لن تقتنع بالعمل والتعاون مع مؤسسات الدولة، والتضحية ببعض مكاسبها اليوم كي تتجاوز البلاد هذه المحنة الصعبة!
والجهة المعنية بتحقيق تلك المساواة هي مؤسسات الدولة، وذلك لا يتطلب إصدار تشريعات وأنظمة جديدة، وإنما تطبيق الموجود منها والانحياز فعلاً لمصلحة المواطن لا لمصلحة رأس المال!
لنوضح ذلك بالأمثلة...
لماذا على المواطن أن يصمد في وجه الهزات المعيشية العنيفة، وفي الوقت نفسه يُسمح للمنتج والتاجر ليس فقط برفع أسعار منتجاتهما بما يواكب متغيرات سعر الصرف، وإنما رفعها مع هامش أمان أيضاً!
لماذا يجب على المواطن ألا يخزّن ربطة خبز واحدة في منزله، وإلا كان في ذلك سبباً لظاهرة الطوابير والازدحام على الأفران، في حين أن آلاف الأطنان من السلع تُخزن في المستودعات انتظاراً لاستقرار سعر الصرف من دون أن يسمى ذلك احتكاراً؟
لماذا على المواطن أن يتحمل الجوع والمرض بحجة العقوبات، في الوقت الذي ليس هناك مستورد واحد مستعداً لتحمل جزء من تكاليف الحصار... ولا أقول يخسر؟
لماذا على المواطن أن يتبع ثقافة استهلاك جديدة تجعله على حافة الجوع، وهناك من ينفق مئات الملايين على عيد ميلاد أو حفلة زفاف أو شراء سيارة....إلخ وربما يدفع ضريبة؟
لماذا يجب على الموظف أن يصبر حتى تنتهي الحرب، ويرفع الحصار، ويتحقق الاستقرار ليتحسن دخله، فيما تعطى كل الجهات والمؤسسات العامة والخاصة الحق والمبرر في زيادة أسعار خدماتها ومنتجاتها بحجة ارتفاع التكاليف؟
في كل الحروب والأزمات، استطاعت الدول أن تنجو وتعبر طريق الخلاص بانحيازها للطبقات الفقيرة وصاحبة الدخل المحدود ودعمها، لا بتحميلها كل تبعات الحرب الاقتصادية والاجتماعية وتركها وحيدة تصارع من أجل لقمة عيشها في مواجهة أمراء الحرب وأثريائها!
سيقول البعض... ما المقترح لتحقيق بعض المساواة في تحمل تبعات الحرب؟
باختصار...
تسعير مستوردات جميع السلع وفق أسعار البورصة العالمية مضافاً إليها تكاليف النقل والتخزين والرسوم مع ربح بسيط.
منع تجار السوق المحلية من رفع أسعار السلع والمنتجات تحت أي ظرف أو حجة، وتفعيل بعض المواد القانونية التي تبيح للدولة مصادرة المنشآت والممتلكات أثناء الحرب والكوارث.
إلزام أثرياء الحرب، ومن دون استثناء أحد منهم، بتأمين احتياجات البلاد من السلع الأساسية بأسعار تفضيلية وبما يتيح تأمينها للمواطن بأسعار خاصة.
مصادرة جميع ممتلكات المسؤولين الفاسدين على اختلاف مهامهم ووظائفهم، الحاليين والسابقين، وبيعها في مزاد علني يخصص ريعه لدعم الأسر الفقيرة والمحتاجة.
إصدار تشريع يوقف العمل بجميع عقود الاستثمار والإيجار الموقعة بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، والمباشرة بتعديل بدلات استثمارها وإيجارها بمفعول رجعي، ووفق أسس عادلة ومنطقية.
وهناك الكثيروالكثير.... لكن يبدو أنني ذهبت بعيداً في خيالاتي وأحلامي!

السلطة الرابعة