انها الولايات المتحدة الامريكية، الدولة المسؤولة عن الجرائم بحق الانسانية، تتحفنا كل عام بتقاريرها الخاصة بحقوق الانسان، وهي ذاتها المسبب الرئيس للمجاعات وتفشي الأمراض والحروب والدمار، سيدة الكذب في السياسة والاعلام والنفاق في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية هي من اسمت نفسها المثال القائد، تقهر الشعوب بالدولارات وحاملات الطائرات والقواعد العسكرية، في اربع ارياح الارض، زادت عليها العبثية وقلة الإلتزام وتسويق شعارات براقة حول حقوق الانسان.

وكذبة الديمقراطية المزيفة الخانقة لانفاس البشر، من الاسكا الى اميركا اللاتينية ومن سمولنسك الى كيب تاون ومن بيونغ يانغ الى كراكاس وصولا الى القطب المتجمد الجنوبي، هي خارطة عبث امريكي تجمع حطام صورة اليانكي المتكسرة في العالم، من حروب ابادة الى عقوبات، نهج امتد الى سوريا، ليرسم معالم صفحات سوداء من تاريخ امريكا المخالف لأدنى أخلاقيات العمل السياسي والإنساني، ويرتقي الى مستوى الارهاب السياسي.

أميركا نفسها والتي تنصب نفسها وصيةً على حقوق الإنسان في العالم، تمارس العديد من الانتهاكات اللاإنسانية بحقّ البشر على امتداد المعمورة وحتى في الداخل الأميركي، ما صنع لها تاريخا عريضا من انتهاكات حقوق الانسان، وشهدت البشرية اجمع على ابشع جرائمهم كاغتيال القائدين سليماني والمهندس، او تحالفهم مع السعوديين ضد اليمن، ويضاف الى سجلهم ايضا سوريا والعقوبات الاقتصادية الظالمة، بعد الحرب العسكرية والارهاب السياسي والكذب الاعلامي، فأمريكا التي تعتبر دولة غازية لسورية، يندرج جميع ماتقوم به تحت عنوان جرائم ضد الإنسانية، ان كان عبر اعتداءات عسكرية، واخرى سياسية واقتصادية، فعلى الصعيد الاقتصادي، إن ما تشهده سوريا من حصار يستهدف لقمة عيش المواطن بشكل مباشر، هو ارهاب عقوبات، وجريمة بحق الانسان، هذه العقوبات بالطبع لم تكن وليدة قيصر وقانونهم الجائر، بل انطلقت واشنطن في الضغط السياسي على دمشق، قبل ذلك بكثير، عبر قانون محاسبة سورية لعام ٢٠٠٣، والذي ضيق على الشعب السوري، ومنع فتح الإعتمادات المصرفية من أجل استيراد الدواء والغذاء للشعب السوري، وصولا الى قانون قيصر.

فمنذ ذلك التاريخ بدأت تنتهك واشنطن العهد الدولي الخاص بالشؤون الإقتصادية والإجتماعية، وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الصادر عام ١٩٦٦والنافذ عام ١٩٧٦، فهي تحرم الشعب السوري من أسباب عيشه الخاصة، حيث جاء في العهد، في المادة الاولى منه، الفقرة الثانية، " لا يجوز في اي حال الحرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة" وبذات المادة ورد انه " لجميع الشعوب، سعيا وراء أهدافها الخاصة، التصرف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية دونما إخلال بأية التزامات منبثقة عن مقتضيات التعاون الاقتصادي الدولي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة وعن القانون الدولي.

ولا يجوز في أية حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة"، الا ان المشرعين في الولايات المتحدة الامريكية لم يقرأوا تلك المواد، بل يستمرون في سرقة النفط والقمح السوري، وتجويع شعبه، ويصدرون قوانين احادية خارج نسق الأمم المتحدة، وفرض ما يسمونه بالعقوبات الإقتصادية، ما يعني ان الولايات المتحدة الامريكية تفرض تدابير تعارض ما جاء في المادة /٤١/ من ميثاق الأمم المتحدة، التي لايجوز فرضها إلا من قبل مجلس الأمن وبالتدرج كما ورد من المادة/ ٣٩ / الى المادة/ ٤١/. وهذا يجعل ما تمارسه الولايات المتحدة في سوريا، انتهاك واضح وصريح للشرعية الدولية وحقوق الانسان، عبر هذا الحصار الخانق.

اما على المستوى العسكري، لم تقتصر انهاكات واشنطن على دعم المجموعات المسلحة، بكافة اشكال الدعم، الا ان ما جرى في الرقة، وحده يستدعي محاكمة الولايات المتحدة الامريكية، هناك حولت المدينة الى كومة ركام، وأهلها إلى ضحايا غارات الطيران أو رهائن يتقاسمهم داعش وبعض مرتزقة واشنطن، فمن هرب من إرهاب داعش لاحقه خراب ودمار وقتل من طائرات الجيش الامريكي، كل تلك الجرائم كانت ضمن صفقة تبادل الأدوار، أو كحصيلة أولية للتسليم والاستلام بين داعش والأميركي.‏ إن نفض الغبار عن الركام في الرقة، يكشف ما خلفه من صور مفزعة، لما اراده الأميركي وأدواته من تشكيل خريطة على حساب دماء الناس وممتلكاتهم، والتي حاولت الولايات المتحدة الامريكية ان تبقيها طي الكتمان، الا ان تقارير منظمة العفو الدولية والكثير من المنظمات، كشفت جرائم الولايات المتحدة منذ غزوها لسوريا، بالارقام، اكدت التقارير مقتل 3039 مدنياً، بينهم 924 طفلاً، و656 سيدة، على يد القوات الامريكية منذ تدخلها العسكري في سوريا في 23/ أيلول/ 2014 حتى 23/ أيلول/ 2020، وأورد توزعاً لحصيلة الضحايا على الأعوام حيث شهدَ العامان الثالث والرابع لتدخل التحالف العدد الأكبر من الضحايا، كما كشفت التقارير، تسجيل ما لا يقل عن 172 مجزرة ارتكبتها قوات التَّحالف الدولي بقيادة امريكا، وما لا يقل عن 181 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنيَّة بينها 25 حادثة اعتداء على مدارس، و16 حادثة اعتداء على منشآت طبية، و4 حوادث اعتداء على أسواق، ذلك منذ اعتدائها العسكري في سوريا حتى 23/ أيلول/ 2020. كما أشار التقرير إلى وقوع ما لا يقل عن 5 هجمات باستخدام ذخائر حارقة نفَّذتها قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن حتى 23/ أيلول/ 2020.

إن المجازر التي ارتبكت في سوريا، رافقها رد فعل باهت من قبل المجتمع الدولي، الذي عجز اصلا عن تحويل تلك الارقام الى منعطف تاريخي بحق الولايات المتحدة الامريكية، لتبقى انتهاكات الولايات المتحدة الامريكية عابرة للحيز الجغرافي الاقليمي، لتزيد اكثر عتمة المشهد السياسي العالمي، الذي يكشف ان الحسابات الامريكية السياسية، هي جزء من المعادلات التي تحكم هذا العالم الظالم، الذي لا يسمع الا بإذن واحدة، ولا يرى إلا بعين واحدة. ان الجرائم التي ارتكبتها داعش او النصرة او باقي المجموعات المسلحة، لا تفرق كثيرا في دورها الوظيفي عن تلك الجرائم التي ارتكبها العدوان الامريكي، وان التاريخ لن يرحم تلك القوى التي تحالفت مع واشنطن، وتلك الجرائم لن ترجح كفة مسلحي داعش وباقي التسميات، فالتاريخ سيحاسب، والشعوب لا تنسى.

حسام زيدان - العالم