أنا أعلم أننا لا نملك قدرة الصين ولا اقتصاد الصين ولكننا نملك الكثير من نقاط القوة ونملك الكثير من الإرث والتاريخ من الموسيقى إلى الثقافة إلى الآثار إلى الفنون إلى العلوم والرياضيات والطب واللغة.

من يستمع إلى خطاب بلينكن وزير الخارجية الأميركي بشأن سوريا في مجلس الأمن قد يعتقد أن الرحمة والإنسانية قررتا أن تملآا قلب هذا المسؤول عن سياسة دولة طاغية تجاه شعوب العالم والتي اتسمت منذ تأسيسها بإبادة شعوب كاملة ونهب ثرواتها والإطاحة بالأنظمة الوطنية ودعم الأنظمة الدكتاتورية.

بلينكن استخدم لغة عاطفية لم نعتد على سماعها من مسؤول أميركي إذ قال: "كيف يمكن ألا نجد في قلوبنا قيماً إنسانية مشتركة من أجل القيام بفعل ذي معنى؟ انظروا في قلوبكم. يجب علينا أن نجد طريقة لعمل شيء ما. هذه مسؤوليتنا. وعار علينا إن لم نفعل ذلك". 

آمل ألا يعتقد أحد أن بلينكن كان يتحدث هنا عن سوريا والسوريين بل عن الإرهاب الذي تديره دولته منذ 10 سنوات، والإرهابيين الذين يسميهم "متمردين" أو "ثواراً"، والذين احتضنت قواته أكثر من 30 ألفاً منهم في مخيم الهول سلّحتهم ودربتهم مخابراته الحنون لتقدّم لهم سبل العيش وارتكاب الجرائم، تماماً كما عملت قواته على حراسة الإرهابيين في مخيم التنف كي يشكّلوا حاجزاً إرهابياً يمنع التواصل بين سوريا والعراق والأردن.

ولكن إنجاز حكومته والحكومات التابعة والعميلة لها لا تتوقف هنا، بل إن أرتال شاحناتهم المحملة بالقمح السوري المسروق من صومعة تل علو في اليعربية بريف الحسكة الشمالي الشرقي يعبر الحدود السورية إلى المعسكرات الأميركية في العراق ليحرم السوريين من لقمة عيشهم عبر معبر الوليد غير الشرعي إلى العراق الذي يعاني شعبه الأمرّين من وجود قوات الفرق الأميركية بشكلٍ غير شرعي والتي قتلت بغزوها وحصارها 3 ملايين عراقي منهم مليون طفل عراقي، ونهبت نفط العراق وآلاف الأطنان من ذهبه، ودمرت عملته واقتصاده ومنعته من إعادة الإعمار.

بينما تعمل الطائرات الأميركية على قصف أي بضاعة رسمية سورية أو عراقية تحاول اجتياز الحدود عبر الاتجاهين لكي يحرموا السوريين والعراقيين من أواصر التواصل التي شكلت لكلا البلدين والشعبين منقذاً على مرّ التاريخ.

ولنتذكّر ماذا فعلت الولايات المتحدة في أفغانستان بعد 20 عاماً ونيّف في العراق بعد18 عاماً، وفي ليبيا بعد 10 أعوام.

لقد عملت على إضعاف وتفكيك كلّ هذه البلدان بذريعة مقاومة الإرهاب ونشر الديمقراطية. كما أن أعمال بلينكن المشينة لا تتوقف هنا فقد عملت إدارته في الأسابيع الأخيرة على إضفاء صفة "نجم هوليودي" على قاتل وسفاح سفك دماء شعبنا وقاد إرهابيين مجرمين سفكوا بأرواح الآلاف من المدنيين في سوريا وعاثوا في الأرض السورية فساداً ألا وهو أبو محمد الجولاني الذي من الواضح أنه تلقى تدريباً أميركياً مهماً للتحكم بلغته ونبرة صوته وطريقته في الظهور والكلام لينفّذ الدور المطلوب منه في الوقت والشكل المناسبين سواء أكان دوراً إجرامياً على الأرض السورية أم دوراً إعلامياً معاكساً لدى وسائل الإعلام الأميركية.

ليس في كل هذا جديد لأن تاريخ الغرب في منطقتنا هو تاريخ الغزو من أجل نهب الثروات وتدمير البلدان وتفكيكها والعمل حصراً بما يخدم العدو الصهيوني الذي دق إسفيناً في قلب هذه الأمة، ولكن القديم الجديد هو في تداول البعض لمثل هذه الخطب المنافقة واعتقادهم أن هذا السياسي الأميركي يعني ما يقول وأنه من الممكن أن يكون في قلبه وعقله ذرة حرص على الشعب السوري أو أن سوريا والسوريين تظهر على رادار وزارته إلا بما يدعم الإرهاب وينهب الثروات ويقدم خدمة جليلة لعدونا الصهيوني المتربص بنا دائماً وأبداً. 

ومن هنا أدعو دائماً إلى إعادة قراءة وتحرير كل خبر نقرأه أو نسمعه وفق ثوابتنا الوطنية، وألا نسمح للظروف أو للضغوطات أو لحجم الضخ الإعلامي والمعاناة المعيشية من عقوبات وحصار الحكومة التي يمثلها بلينكن أن يزرع الشك في قلوبنا حول هذه الثوابت التي أثبتت صحتها وجدارتها على مدى عقود.

وسوف أورد هنا مثالاً على التعامل المزدوج والمنافق مع كل قضايا منطقتنا والذي غالباً ما يفوتنا أن نفنّده ونضعه في المكان الذي يستحق؛ فمنذ قرابة عام تتعثر محاولات تشكيل الحكومة في لبنان العزيز لأسباب بعضها معروف للجميع، ولكن ومنذ قرابة عام ونيّف تجري انتخابات إثر انتخابات في الكيان الصهيوني وتتعثر محاولات تشكيل حكومة في هذا الكيان المغتصب والسارق للأراضي والثروات.

وهنا أدعو القارئ العزيز أن يتوقف لحظة ويعيد في ذهنه ردود الأفعال الإقليمية والدولية على كلتا الحالتين؛ ففي الوقت الذي قدِمت الوفود من كل حدبٍ وصوب وعلى مختلف المستويات إلى لبنان، بعضها مهدداً وبعضها مبتزاً لقوى أو لأخرى، وأكيلت كل الاتهامات إلى لبنان بانها دولة فاشلة وتم تحديد المواعيد التي يجب أن يلتزم بها، لم نسمع جملة واحدة تشير إلى أن عجز الكيان الصهيوني عن تشكيل الحكومة هو دلالة ضعف أو انقسام أو فشل، إلا من السيد حسن نصر الله طبعاً، ولكني أتكلم هنا عن الفرقاء الذين يدّعون الحرص على مصلحة لبنان بينما هم في الواقع يشهّرون به، ولكنهم يبلعون ألسنتهم حين يتعلق الأمر بالكيان الغاصب؛ فلم يقرع أحد ناقوس الخطر ولم تتوافد الشخصيات السياسية لتهدد وتتوعد ولم نلحظ جملة واحدة فيما أسموه "الإعلام الحرّ" لتشير إلى مشكلة في جوهر سياسة هذا الكيان الغاصب.

الدرس المستفاد هنا وفي أمثلة لا تحصى هو أن نحمي آذاننا مما يروّج له الآخرون بقصد استهدافنا واستهداف ثرواتنا وتاريخنا وحاضرنا ومستقبل أجيالنا وأن نسير على خطى تعزيز قدراتنا وتحصين بنياننا من الداخل عبر مكافحة الفقر ووضع الأسس المتينة لاقتصاد متين، ومن ثم ننطلق لنقارع أعداءنا من منطلق القوة وفي كافة مناحي الحياة  وألا نغفل في هذ المسار أي جانب من جوانب الحياة.

ففي الصين مثلاً، حتى السينما تم تطويرها لتنافس هوليود على استقطاب النجوم وإنتاج الأفلام، وإن الشعب الصيني يتابع الأفلام الصينية أكثر مما يتابع أفلام هوليود، وإن نجوم هوليود يلتزمون بالمعايير الصينية وبمعايير الحزب الحاكم في الصين كي يتمكنوا من دخول السوق الصينية، مع أن هوليود في أذهان الكثيرين هي آخر معقل يمكن للصين أو لأية قوة أخرى ان تتحداه ومع ذلك فقد فعلت الصين ذلك وبنجاح.

واليوم تهدد الصين الولايات المتحدة بمقاطعة الألعاب الأولمبية التي ستجري في الصين وإلا فإنّ الصين ستعاقبها كما تطالب الولايات المتحدة بالوفاء بالتزاماتها فيما يتعلق بحقوق الإنسان وإيقاف مظاهر التمييز العنصري وجرائم العنف والكراهية ضد الأقليات على أراضيها.

أنا أعلم أننا لا نملك قدرة الصين ولا اقتصاد الصين ولكننا نملك الكثير من نقاط القوة ونملك الكثير من الإرث والتاريخ من الموسيقى إلى الثقافة إلى الآثار إلى الفنون إلى العلوم والرياضيات والطب واللغة؛ اللغة العربية الجميلة والعريقة التي يهملها العرب اليوم في معظم أقطارهم وينتجون أبحاثهم بلغات أخرى. كيف يمكن للغة أن تتطور إذا لم يتم استخدامها في العلوم والترجمة والأبحاث؟

في كل منحى من مناحي الحياة لدينا نقاط قوة يجب استثمارها وإعلاء شأن ثقافتنا وتاريخنا وأمتنا والبناء عليها من أجل مستقبل أفضل، ولكننا بحاجة إلى الإيمان بأنفسنا أولاً كما أننا بحاجة إلى التعاضد والتكاتف لتحولنا من أفراد إلى فرق عمل مؤمنة صالحة قادرة على مواجهة سموم ونفاق وإرهاب الأعداء والبناء على كل ما تقترحه وتجترحه مواهب الساعين الخلص لإعلاء شان الوطن وما أكثرهم.

ليس علينا إعادة اختراع الدولاب بل يمكن أن نتعلم سريعاً من تجارب الدول الناجحة، ونزكيها بمقدراتنا ونقاط قوتنا المحلية لنسابق الزمن في قهر الأعداء وبناء مستقبل أفضل للأجيال ترثه وتورثه مع كل متطلبات العزة والكرامة الوطنية والتي لا استمرار لأي شعب أو بلد بدونها.