يحيي السوريون الذكرى الخامسة والسبعين لجلاء المستعمر الفرنسي عن وطنهم وهم في أوج مرحلة التصدي للهجمة الشرسة للمستعمرين الجدد الذين يشنون حرباً ضروساً بأدواتهم الإرهابية وحصار اقتصادي طال لقمة عيش السوريين الذين يستلهمون من أجدادهم اليوم معاني ودلالات عيد الجلاء للدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة أرضه مجددين العهد على تقديم التضحيات لصون الاستقلال ودحر الإرهاب وداعميه.

ما أشبه الإرهابيين ورعاتهم الذين ينهبون مقدرات السوريين بجنود الاستعمار الفرنسي الذين ما أن وطئت أقدامهم أرض الوطن عام 1920 حتى بدؤوا بسرقة قوت المواطنين ومصادرة الأملاك والمحاصيل الزراعية وخيرات السوريين.

لكن ذلك لم يفلح في ثني عزيمتهم وطردوا المحتل عام 1946.. واليوم في خضم الانتصارات التي يحققها الجيش العربي السوري على الإرهاب تشتد العقوبات الاقتصادية ومحاصرة السوريين في لقمة عيشهم وهم كما آباؤهم وأجدادهم عزائمهم لا تلين وإصرارهم على طرد الإرهاب وإعادة الحياة إلى طريقها الصحيح يشكل ركيزة صمودهم مهما غلت التضحيات.

الوحدة الوطنية التي تجلت في أبهى صورها طرزها السوريون على صفحات المجد التي امتدت بوسع جغرافيا الوطن رغم محاولات الاستعمار الفرنسي زرع الفتنة والفرقة والانقسام بين أبناء الوطن الواحد لكن الرد جاء بأيادي السوريين وعزيمتهم لإنجاز ملحمة الاستقلال التي كتب فصولها وأخرجها ونفذها المجاهدون بقيادة الشيخ صالح العلى وإبراهيم هنانو وحسن الخراط ومحمد العياش وغيرهم وصولاً إلى الثورة السورية الكبرى عام 1925 التي قادها سلطان باشا الأطرش والتي عمت مختلف المدن والمناطق السورية من شمالها إلى جنوبها.

معركة ميسلون التي استشهد فيها وزير الحربية يوسف العظمة جاءت رداً على محاولات المستعمر الفرنسي فرض شروطه على سورية عبر إنذار “غورو” في الـ 14 من تموز عام 1920 وشكلت نواة حقيقية لمقاومة الاحتلال التي كانت انطلقت في الساحل عبر مقارعة الشيخ صالح العلي لقوات الانتداب الفرنسي منذ أن بدأت بالانتشار على طول الساحل السوري في تشرين الثاني 1918 ودامت ثورته في جبال المنطقة الساحلية حوالي أربع سنوات حتى شهر تموز 1922 حيث خاض الثوار معارك مشرفة كبدوا فيها الفرنسيين خسائر كبيرة ومنها معارك قرى سلمى وترتاح والشيخ بدر ووادي الورور وبيدر غنام التي شكلت عاملاً ومحفزاً للمجاهدين في الشمال بقيادة إبراهيم هنانو الذي خاض معارك مشرفة ضدهم وأهمها معركة تل عمار في أوائل شهر نيسان 1925.

وفي السويداء أعلن سلطان باشا الأطرش الثورة في الـ 21 من تموز عام 1925 من خلال إذاعة بيان سياسي وعسكري يدعو الشعب السوري إلى الثورة على الانتداب الفرنسي ومما جاء فيه: “أيها العرب السوريون تذكروا أجدادكم وتاريخكم وشهداءكم وشرفكم القومي.. لقد نهب المستعمرون أموالنا واستأثروا بمنافع بلادنا وأقاموا الحواجز الضارة بين وطننا الواحد.. إلى السلاح أيها الوطنيون إلى السلاح تحقيقا لأماني البلاد.. إلى السلاح تأييدا لسيادة الشعب وحرية الأمة”.

بدأ سلطان باشا الأطرش بشن الهجمات العسكرية على القوات الفرنسية وأقدم على حرق دار المفوضية الفرنسية في صلخد وحررها.. وفي أوائل أيلول من عام 1925 هاجم قوة فرنسية في بلدة الكفر بقيادة الكابتن نورمان وفتك رجاله بها ولم يفلت من الفرنسيين إلا بضعة أفراد وغيرها الكثير من المعارك التي تكبد فيها الفرنسيون خسائر فادحة بالأفراد والعتاد.

وفي المنطقة الشرقية استطاع محمد بك العياش تشكيل مجموعات ثورية لضرب القوات الفرنسية في مدينة دير الزور ووجه الثوار ضربات مؤلمة للقوات الفرنسية وكان آخرها القضاء على ضباط فرنسيين في منطقة عين البو جمعة على طريق دير الزور-الرقة ورداً على ذلك قصفت الطائرات الفرنسية القرى فتهدمت البيوت على رؤوس الأطفال والنساء واشتعلت النيران في المزروعات والبيادر وتم نفي جميع أفراد أسرة العياش من مدينة دير الزور وحكم على محمود العياش مع اثني عشر ثائرا من رفاقه بالإعدام وتم تنفيذ الحكم رمياً بالرصاص في أيلول عام 1925 في مدينة حلب كما حكم على محمد العياش بالسجن لمدة 20 عاماً في جزيرة أرواد.

معارك المنطقة الوسطى ضد الاحتلال الفرنسي قادها فوزي القاوقجي الذي أعلن الثورة في حماة في الرابع من تشرين الأول عام 1925 وكاد أن يحرر المدينة لولا قصف الطائرات العنيف للأحياء الشعبية فخرج إلى البادية لحث القبائل على التكاتف في وجه الفرنسيين وتخفيف الضغط عن الثوار في المناطق الأخرى وقد حقق انتصارات مهمة على القوات الفرنسية وحامياتها وثكناتها وأنزل بها خسائر فادحة.

وفي دمشق وغوطتها قاد حسن الخراط رجاله في غارات ليلية على المنشآت الفرنسية في أحياء الشاغور وسوق ساروجة والجزماتية واستطاعوا تدمير جميع الأبنية الفرنسية في هذه المناطق والاشتباك المباشر مع دوريات الجيش الفرنسي و نزع سلاحها واحتجاز جنود فرنسيين كرهائن .. ولم يتوقف الخراط عند هذا الحد بل سيطر على مقر المندوب السامي الفرنسي موريس ساراي في قصر العظم بمدينة دمشق بعد قتال ضار فكانت ردة فعل الفرنسيين ارتكاب مجازر يندى لها جبين الإنسانية عبر الاعتداء بالمدفعية والطيران على أحياء مدينة دمشق.

ملاحم كثيرة خطها السوريون بدماء الشهداء وهي تقاليد كفاحية تشكل عنصراً أساسياً في بنية هذا الشعب النفسية والوجدانية فشكل الاستقلال المنجز بالمقاومة الوطنية في الـ 17 من نيسان عام 1946 قاعدة صلبة لدعم النضال الوطني على امتداد الوطن العربي الكبير للتحرر من الاستعمار ومنطلقا للكفاح من أجل بناء المجتمع العربي الجديد القوي المنيع المتحرر من مختلف أشكال التبعية والظلم والاستغلال.

إحياء السوريين لذكرى الجلاء وهم يواجهون استعماراً بلبوس جديد يؤكد أنهم أهل لحمل الراية التي تمسك بها الآباء والأجداد فالعدو واحد والمعركة من أجل الكرامة والاستقلال واحدة ودروس التاريخ النضالي تؤكد أن الانتصار على الاحتلالين العثماني والفرنسي سيتبعه اليوم سحق العثمانية الجديدة والاستعمار الغربي الجديد أمام بطولات جيشنا الباسل وشعبنا الأبي.

عدنان الأخرس

sana