مع كل الجنون الذي طبع خطوات بايدن، فتح الأخير مواجهة صعبة مع الصين وروسيا في الوقت نفسه ولم ينتبه إلى نقطة أساسية كان من المفترض أن ينبهه إليها مستشارو الأمن القومي لديه.

يبدو غريباً ما تقوم به الإدارة الأميركية الحالية برئاسة جو بايدن، لناحية السياسة المجنونة التي تشنها من دون هوادة، سواء بالعقوبات العشوائية يميناً ويساراً، وضد أكثر الدول قدرة في العالم، أو بالمواقف الدبلوماسية الخارجة عن المألوف في تحدي دول كبرى، والأهم، عبر التحركات العسكرية الحساسة والمستفِزَّة، بشكل بدأت تلامس به الخطوط الحمر الخطرة أو تتجاوزها، وهي التي لطالما التزمت (الإدارة الأميركية) وأغلب الدول المنافسة لها أو المتخاصمة معها بشراسة باحترامها وعدم الاقتراب منها.

للوهلة الأولى، يظن المتابع لهذه السياسة أن الإدارة الأميركية ما زالت برئاسة دونالد ترامب؛ الرئيس السابق الذي أذهل العالم بقراراته ومواقفه المجنونة وغير المتوازنة، وأن جو بايدن، الرئيس الحالي، ليس ذلك المعارض الديمقراطي الشرس لسياسة ترامب، والذي كان رأس الحربة في انتقاد الأخير، وذلك في التسرع والعشوائية والازدواجية وعدم التوازن في القرارات، وخصوصاً تلك المرتبطة بسياسة الولايات المتحدة الخارجية، فكيف يمكن مقاربة هذا الموضوع الحساس الذي لا شك في أنه يضع العالم على شفير الانفجار؟ وهل يمكن القول إن الرئيس بايدن، ومن خلال قراراته (المشبوهة) هذه، والتي جاءت ترجمة لاستراتيجيته الدولية التي وضعها بعد وصوله إلى البيت الأبيض، ارتكب خطأً قاتلاً، وسوف تكون له تداعيات خطرة، وربما مؤلمة، على الولايات المتحدة الأميركية والعالم؟

 منذ لحظة وصوله إلى البيت الأبيض، وفي أول إطلالة رسمية له على نافذة العالم والسياسة الخارجية، حدد بايدن الاستراتيجية التي سوف تطبع عهده، وكان لمواجهة الصين وروسيا وتحديهما ومنافستهما حصة الأسد فيها، إلى درجة ظهر من خلالها وكأنه مكلّف من "الدولة العميقة"، التي لطالما كان للديمقراطيين الرأي المُرَجِّح فيها، بالاشتباك مع الدولتين الأكثر قدرة على المواجهة والمنافسة، روسيا والصين. وقد بدأ رحلة مواجهتهما عبر مجموعة من النقاط.

كان لافتاً إقدام الإدارة الأميركية على فتح باب المواجهة الدبلوماسية والاشتباك الدولي من خلال نافذة العقوبات، فقد أصدر أكثر من رزمة عقابية متشددة بحق مؤسسات رسمية، وخصوصاً في كل من موسكو وبكين، إضافة إلى رزمة واسعة من العقوبات بحق عشرات المسؤولين أو رجال الأعمال الروس والصينيين. ومن هذه الملفات ملف حقوق الإنسان وطريقة مقاربته من قبل الروس والصينيين، أو ملف القرصنة الصينية للصناعة الأميركية، أو ملف التدخلات الروسية في الانتخابات الأميركية، أو الهجومات السيبرانية ضد مؤسسات أميركية. واللافت في الموضوع أنه استند في تلك العقوبات إلى ملفات قديمة سبقت وصوله إلى الإدارة بفترة طويلة، وكانت قد أخذت حقها في النقاش والمعالجة والإجراءات بين الدول المستهدَفة والإدارات الأميركية السابقة (بمعزل عن صحتها وجديتها وأحقيتها).

بسرعة، وبطريقة لافتة في تجاوزها الكثير من المشاكل بين حلفاء تقليديين للأميركيين، جمع قوى حلف شمال الأطلسي ودوله، واضعاً هدفاً استراتيجياً، عنوانه الرئيسي تقويض نفوذ روسيا في القطب الشمالي وشرق أوروبا، وتحديداً في حديقة موسكو الخلفية الأكثر تأثيراً في أمنها القومي، أوكرانيا وسواحلها الجنوبية والجنوبية الشرقية على البحر الأسود. وفي ما يشبه تحريض أوكرانيا على المطالبة بالانضمام إلى الناتو، هروباً من "سطوة الروس"، كما ادعى "زيلنسكي"، نسي أن ذلك أكثر ما يغيظ بوتين، كما نسي واقعة اجتياح الوحدات الروسية لجورجيا في العام 2008 واستعادتها شبه جزيرة القرم في العام 2014، وكل ذلك على خلفية المطالبة بالانضمام إلى الناتو.

 من جهة أخرى، وبالتوقيت نفسه - وهنا بدأ الخطأ يكتمل - فتح معركة شرسة وغير آمنة ضد بكين في ملف تايوان وبحر الصين الجنوبي. وبعد أن اعتبر أن سياسة بكين في ملف تايوان تحركها الأطماع الصينية فقط، وأن عليه حماية حليفته التاريخية تايوان، عاد وانتبه مؤخراً، وبعد أكثر من 10 سنوات على الإجراءات الصينية لبناء جزر اصطناعية في وسط بحر الصين الجنوبي، إلى أن هذا العمل الذي تقوم به الصين مخالف للقانون الدولي، وأن للدول الحاضنة للبحر المذكور (الفيليبين وتايوان وفيتنام) حقوقاً جغرافية وتاريخية، فنصّب نفسه ولياً لأمر هذه الدول، وضاعف، وبوقت لافت، القطع والمدمرات العسكرية البحرية، ورفع منسوب مناورات التحدي في تلك المنطقة البحرية الحساسة بمواجهة الصين.

مع كل هذا الجنون في فتح مواجهة صعبة وحساسة مع الصين وروسيا في الوقت نفسه، لم ينتبه إلى نقطة أساسية، والتي كان من المفترض أن ينبهه إليها مستشارو الأمن القومي لديه، الذين لا شك بتاتاً في أنهم يعرفونها جيداً ولكنهم تغاضوا عنها، وهي: 

السلطة في كل من روسيا والصين متماسكة، على عكس الولايات المتحدة الأميركية. في الصين (وبمعزل عن مفهوم ومستوى الديمقراطية التي يدعيها الأميركيون والأوروبيون)، لا وجود لأي معارضة، والإعلام بشكل عام مؤيد أو مواكب لسياسة الدولة والحكومة. ثمة مثل بسيط عن ذلك يكمن في طريقة إدارة السلطات في الصين لمشكلة انتشار فيروس كورونا وضبطه بشكل حاسم وبسرعة، بخلاف ما حصل في الولايات المتحدة الأميركية.

 في روسيا أيضاً، السلطة "ممسوكة"، وبقوة، وذلك من خلال رئيس ثابت وصاحب نظرة استراتيجية (بوتين)، ومن خلال دبلوماسية ثابتة وذكية مع لافروف، ومن خلال استراتيجية دفاعية قوية وصلبة مع شويغو. كما أن الإعلام والمعارضة في روسيا مضبوطان بنسبة كبيرة، على عكس الولايات المتحدة الأميركية، حيث يمتلك الإعلام القدرة على المعارضة والانتقاد والإيذاء، مع وجود أكثر من لوبي (ومنها الصهيوني في الدرجة الأولى) مؤثر وقادر على تغيير السياسة الخارجية للإدارة الأميركية أو توجيهها، وفي ظل انقسام واضح في السلطة التشريعية وقدرة كبيرة للجمهوريين على التأثير في القرارات. وما يزال طيف الرئيس السابق دونالد ترامب والمجموعة الضخمة التي صوتت له في الانتخابات (أكثر من 70 مليون أميركي) يشكل عثرة كبيرة في زعزعة تماسك قرارات الرئيس بايدن، وخصوصاً على الصعيد الدولي. 

هكذا، في الوقت الذي استسلم بايدن أمام إيران من خلال رضوخه لتفاوض المعنيين بالاتفاق النووي معها بشروطها، وفي الوقت الذي اعترف عملياً بهزيمته في أفغانستان، وبطريقة غامضة، متجاوزاً كل الأهداف التي وُضعت خلال 20 عاماً من الاحتلال، قرر الانسحاب منها، وتركها بين يدي ونفوذ وسيطرة متقدمة لطالبان، ليخسر بذلك نقطة الربط الأكثر أهمية للصين وروسيا وإيران، في آسيا الوسطى وبين جنوب القوقاز وغرب الصين وشمال الهند، وفي الوقت الذي جاهد ميدانياً وعسكرياً وأمنياً وسياسياً لمواجهة قرار عراقي جارف بفرض انسحاب وحداته من العراق، وقع في الخطأ القاتل، من خلال فتح معركة حساسة وصعبة وغير آمنة وغير مضمونة بتاتاً ضد كل من الصين وروسيا.

الميادين