في سورية يندفع جنودنا الميامين في ساحات المعارك غير آبهين بالموت شعارهم في ذلك النصر أو الشهادة.. يرتقون شهداء وكلهم إيمان بأن دماءهم تشق طريق النصر.. في سورية تستقبل الأمهات أبناءهن الشهداء بالزغاريد والورود.. ووالد الشهيد يتقدم ركب المشيعين ونعش ابنه الملفوف بعلم الوطن محمول على أكف رفاق السلاح.. يقبل العلم.. يرفعه فوق جبينه.. ويقول في لحظة الوداع بكل فخر واعتزاز.. “الوطن غال.. الوطن عزيز.. ودماء الشهداء رخيصة في سبيل عزته وكرامته.

وما أشبه اليوم بالأمس ففي السادس من أيار 1916 عندما استقبل أبطال من بلادي أعواد المشانق في بيروت ودمشق وعيونهم ترنو إلى مستقبل مشرق بإرادة النصر وعنفوان الكرامة وحناجرهم تصدح بأجمل الكلمات.. “مرحباً بأرجوحة الشرف مرحباً بأرجوحة الأبطال”.. “نحن أبناء الألى.. شادوا مجداً وعلا.. نسل قحطان الأبي.. جد كل العرب”.. عبارات زعزعت قلب جلاديهم العثمانيين وأرست قواعد راسخة في النضال دفاعاً عن الوطن.

السوريون الذين قدموا آلاف الشهداء دفاعاً عن الوطن يحيون الذكرى الخامسة بعد المئة لعيد الشهداء من القادة الوطنيين والمفكرين والمثقفين الغيارى من قادة مقاومة الاحتلال العثماني البغيض الذي حاول أن يطفئ عنفوان شعبنا وشعلته الملتهبة طلباً للحرية والاستقلال.. وعبثاً حاول المحتل خنق صوت الحرية فأعدمهم جمال باشا السفاح عام 1916 حيث ارتقى 14 منهم في ساحة البرج في بيروت و7 في ساحة المرجة بدمشق وتكريماً لأرواحهم الطاهرة أطلق السوريون واللبنانيون اسم “ساحة الشهداء” على كل من الساحتين.

ساحة المرجة بدمشق تزينت بقامات الرجولة والكبرياء فارتقى على يد الجلاد العثماني “شفيق أحمد المؤيد العظم وعبد الحميد محمد شاكر الزهراوي وعمر عبد القادر الجزائري وشكري علي العسلي وعبد الوهاب أحمد الإنكليزي ورفيق موسى رزق سلوم ورشدي أحمد الشمعة”.

وفي بيروت تزينت ساحة البرج بمشاعل الحرية التي مثلتها إرادة التضحية لدى شهداء الوطن ومنهم “جرجي موسى حداد وسعيد فاضل بشارة عقل وعمر مصطفى حمد وعبد الغني محمد العريسي وعارف محمد سعيد الشهابي وتوفيق أحمد البساط وسيف الدين أبي النصر الخطيب وعلي عمر النشاشيبي ومحمود جلال سليم الآمدي البخاري وسليم محمد سعيد الجزائري الحسني” وغيرهم.

شهداء السادس من أيار الذين شكلت عقولهم النيرة ودماؤهم الطاهرة روافع النضال الوطني ضد المستعمر خلال العقود الماضية هيأت اليوم البيئة الوطنية لرفد قوافل العزة بالشهداء فأبطال رجال الجيش العربي السوري وأبناء الوطن الشرفاء الذين ارتقى منهم آلاف الشهداء رفضوا تسليم الوطن للإرهابيين وداعميهم ومشغليهم وحطموا بتضحياتهم مخططات الأعداء وشكلت دماؤهم الطاهرة منارة أضاءت مستقبل الأجيال القادمة.

قوافل المجد التي ارتقت إلى العلياء من أبناء الوطن دفاعا عن ثراه الغالي استمرت بعد انكسار شوكة العثمانيين وصولاً إلى دحر الاستعمار الفرنسي وتبعتها دماء طاهرة خضبت تراب فلسطين وكوكبة من شهداء الوطن الذين ارتقوا بعد أن سطروا أروع الملاحم في حرب تشرين التحريرية ومعارك الدفاع عن لبنان ضد العدو الصهيوني وصولاً إلى عبق التضحيات في ساحات المعارك ضد إرهاب تكفيري أراد نزع الفرح من حياة السوريين والنيل من مستقبل أبنائهم.

والسوريون أصحاب الصفحة المشرقة في سجل الشهادة والشهداء وهم يحتفون اليوم بذكرى الشهداء يتقدمهم شهداء الجيش والقوات المسلحة الذين عاهدوا فصدقوا العهد وما بدلوا تبديلا ومن خلفهم الشهداء من العمال والفلاحين والمعلمين الذين استمروا في أداء واجبهم حفاظا على سيرورة الحياة العامة في البلاد ولا ننسى منهم الشهداء الإعلاميين الذين دفعوا حياتهم ثمناً لنقل حقيقة الحرب الإرهابية التي يتصدى لها أبناء بلدهم ويسلطون الضوء على الأحداث الميدانية وينقلون بالصوت والصورة بطولات اجترحها أبطال الجيش في ساحات المعارك ضد الإرهابيين المندحرين.

واليوم وفي خضم معركة الدفاع عن سورية عنوان المقاومة ضد المخططات الاستعمارية في المنطقة يرى السوريون أن شهداء السادس من أيار الذين أضاؤوا الدرب أمام الأمة لم ولن يكونوا آخر كواكب العزة والفخار فلطالما قدمت أمتنا آلاف الشهداء لمقاومة ومواجهة الأعداء والمستعمرين بكل أشكالهم ومع أفول الإرهاب من معظم ربوع سورية بفضل تضحيات بواسل الجيش ودماء الشهداء الذين أسرجوا صهوات المجد إلى العلياء يلتف السوريون حول جيشهم وقائدهم لاستكمال النصر المؤزر ودحر الإرهاب والاحتلال عن أرض سورية والبدء بإعادة الأعمار في المستقبل القريب الذي أنارته دماء الشهداء الطهورة وأسست لحياة كريمة تليق بالوطن الأغلى وبأبنائه البررة.