غسان الاستانبولي 

يُحسب للقيادة السوريّة أنّها اتخذت قراراً ذكياً سيكون له دورٌ في تحصين هذه الانتخابات ونتائجها، وذلك حين دعت عدداً من برلمانات الدول الشقيقة والصديقة إلى حضورها.

بما أنّ الحروب العسكريّة هي وسيلة تلجأ إليها بعض الدول الاستعمارية عندما تعجز عن تحقيق أهدافها بطرقٍ أقلّ قسوة وأقلّ كلفة، كالطرق السياسيّة أو الاقتصاديّة، بما فيها الحصار والعقوبات وغيرهما، فمن الطّبيعي أن يكون معيار النصر أو الخسارة هو وصول الدولة التي فرضت الحرب إلى الهدف المنشود، أو صمود الطرف الآخر وإفشال هذا الهدف، على الرغم مما يتكبّده من خسائر وتضحيات. انطلاقاً من هذا المبدأ، لا يختلف اثنان على أنَّ موقع الرئاسة السوريّة كان هدفاً مهمّاً لدول العدوان على سوريا، لأنّ النجاح في تحقيقه يعني أنّ الهدف الأهمّ صار قريب المنال.

ولا شكّ في أنّ الرئيس السوري بشار الأسد كان أوّل من أدرك أسباب هذه الحرب وأهدافها، كما أدرك أنّ الهدف الاستراتيجي هو سوريا كوطن، قبل أن يكون شخصه كرئيس، وأنّ إسقاط موقع الرئاسة ما هو إلا الخطوة الأهمّ لإسقاط الوطن.

رغم ذلك، سار في تلبية معظم مطالب المتظاهرين، مع قناعته بأنّ ذلك لن يجدي في وقف هذا المُخطّط الذي تمّ تفصيله بِفكرٍ أميركي وأدواتٍ متعدّدة الجنسيات، وكلّ ذلك على المقاس الإسرائيلي. ولو استجاب الأسد لكلّ المطالب، المُحقّة منها وغير المُحقّة، ما عدا التنازل عن الرئاسة، لرُفعت في وجهه اللازمة الأميركيّة: "هذا لا يكفي". وستبقى هذه اللازمة حاضرةً، ولو تنازل عن الرئاسة لمصلحة شخصيّة وطنيّة لا تُفرّط في الحقوق الوطنيّة السوريّة، لأنّ المطلوب هو رئيسٌ سوريّ الهويّة أميركيّ الهوى، حاضرٌ ليسلّم "إسرائيل" ويستسلم لها. وبذلك، تتنحى الصخرة السوريّة جانباً، وتُفتح كلّ طرق الهيمنة الإسرائيليّة على المنطقة.

لقد عانى الرئيس الأسد، ولزمه الكثير من الوقت ليقنع، حتّى أقرب حلفائه، بأنّ ما يجري هو مؤامرة تستهدف سوريا الوطن، وهو ما أتى على لسان أحد رموز الحلفاء، حتّى قبل أن يقتنعوا بذلك. كان قراره أن يخوض هذه الحرب حتّى النهاية. ومن هذا المنطلق، رفض كلّ العروض التي أتته ليغادر بلده، لأنّه يعتبر أنّ ترك الوطن في هذه الحالة هروب، إذ قال: "أنا كرئيس، عليَّ مُساعدة بلادي خلال الأزمة، لا أن أهرب وأنجو، أو أقول عليَّ أن أغادر وأترك الناس يُدافعون عن أنفسهم".

طبعاً، مع الصّمود السّوري، ومع الدّعم الذي وصله من الحلفاء والأصدقاء، بدأ استهداف موقع الرئاسة يتدرج نزولاً، من الشعارات التي كان يطرحها المتآمرون في بداية الحرب، مثل "على الرئيس أن يرحل" أو "أيامه معدودة"، إلى خطّةٍ أخرى تقضي بأن يبقى الرئيس وأن تنتقل صلاحياته إلى حكومةٍ يكونون قادتها الفعليين.

وعندما فشلت تلك الخطط، حاولوا نسف هذا الموقع وتفريغه تماماً، من خلال اغتيال الرئيس. وقد كشف الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب لصحيفة "فوكس نيوز" الأميركيّة، أنّه كان في صدد الإقدام على هذه الخطوة، إلّا أنّ مُعارضة وزير الدفاع الأميركيّ السابق جيمس ماتيس حالت دون ارتكاب هذه الحماقة التي كانت ستؤدي، في حال تنفيذها، إلى تفجير المنطقة بالكامل، كما أن "إسرائيل" هي الطرف الذي سيدفع الثمن الأكبر نتيجة ذلك، وهو ما غاب عن ذهن ترامب، الذي لم يرَ في خطوته سوى النتائج الكارثيّة التي ستجلبها لسوريا وشعبها، لأنّه يعرف أن الفراغ في الرئاسة هو الباب الأوسع للفوضى.

لذلك، تحوَّلت الخطّة لاحقاً إلى منع إجراء انتخابات، وبأيّة طريقةٍ ممكنةٍ، أو منع نجاح الرئيس فيها في حال حدوثها. هنا، عمل الأميركي ومن معه بنصيحة مدير معهد "بيغن السادات للأبحاث الاستراتيجيّة"، التي تقول إنّ الطريقة الوحيدة التي تمنع فوز الأسد في الانتخابات هي حصار الشعب السوري وتجويعه، وهو ما عملوا عليه بكل جهدهم.

وفي هذا السياق، يُحسب للقيادة السوريّة أنّها اتخذت قراراً ذكياً سيكون له دورٌ في تحصين هذه الانتخابات ونتائجها، وذلك حين دعت عدداً من برلمانات الدول الشقيقة والصديقة إلى حضورها، لأنّ سوريا تعرف أن أميركا أعطت أوامرها لجميع أدواتها، من دولٍ ومنظمات، بأن يمارسوا ما استطاعوا للطعن في شرعيّة هذه الانتخابات ونتائجها، حتى قبل أن تبدأ، وأن تستمر بعد أن تنتهي. لذلك، من المهمّ وجود برلمانيين من دولٍ صديقة، ليكونوا شهود حقٍّ في جميع المنابر، وخصوصاً الدوليّة منها.

الآن، أصبحت الانتخابات الرئاسيّة أمراً واقعاً، وهي ماضيةٌ رغم ما سيرافقها من ضجيجٍ إعلاميٍ هدفه الأساسي تحريض السوريين، وخصوصاً من هم في بلاد النزوح أو الاغتراب، على عدم المشاركة فيها وعدم انتخاب المُرشح بشار الأسد، ولكن على الجميع أن يتذكَّروا صور السوريين التي تناقلتها مُعظم وسائل الإعلام خلال الانتخابات الماضية، ولا سيّما في كلٍ من لبنان والأردن، وازدحام السفارات بأعدادٍ هائلةٍ من الناخبين الذين تعرّضوا للضغوط والتهديدات من قِبل بعض الفرقاء الَّذين عملوا ضدّ سوريا في كلتا الدولتين.

ومن المعروف أنّ النازحين السوريين واجهوا يومها كلّ هذه الضغوط والتهديدات، حتى إنّهم لجأوا إلى طرقاتٍ بديلةٍ من الطرقات التي قُطعت، بغية منعهم من الوصول إلى السفارات، لكنّهم وصلوا وأدلوا بأصواتهم التي حملوها أمانة وفيّة لسوريا وقيادتها.

المصدر: الميادين نت