تخوض تل أبيب صراعاً وجودياً في كل المستويات، وتتابع بقلق عميق عدداً من التحولات الكبرى المتعلقة بدورها الوظيفي في المنطقة.

تأتي انتفاضة القدس، التي اندلعت في العشر الأواخر من شهر رمضان، في سياق إرهاص تحوّلات كبرى على مستوى جغرافية غربي آسيا بأكملها، لتعزّز فرص مكاسب دمشق وطهران، على نحو أساسي، وتزيد في إمكانات خيار قوى المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق.

فبعد أن أمسكت الدولة العميقة في الولايات المتحدة بكل مفاصل القرار في واشنطن، واستطاعت إقصاء التوجُّهات الترامبية المستحدَثة مؤقتاً من واجهة عرقلة سياسات العولمة، تشكّلت ظروف جديدة بصورة متسارعة على مستوى غربي آسيا، دفعت الإدارة الأميركية إلى البحث عن مخارج مترابطة وحلول لخروجها من غربي آسيا، والتفرُّغ لمواجهة الصين وروسيا تباعاً.

ثم جاءت الإدارة الأميركية الجديدة، وتزامن قدومها مع جملة من التحديات المعقَّدة والمتشابكة على مستوى الداخل الأميركي، بفعل الانقسام الحادّ في خيارات المجتمع الأميركي بين أميركا أولاً، واستمرار نظام العولمة الذي أرهق الولايات المتحدة بحروب لم تكسب أيّاً منها كما أرادت في غرب آسيا ثانياً، فانعكس ذلك على طريقة معالجة أزماتها فيها، وعادت من جديد إلى سياسة تسريع خروجها من المنطقة، الأمر الذي يقتضي منها التعامل مع طهران ودمشق اللتين استطاعتا استنزافها في كل المنطقة الممتدة من جبال الهندكوش، إلى شرقي البحر الأبيض المتوسط، إلى باب المندب وبحر العرب والخليج، على الرغم مما عانته من حصار وعقوبات وتدمير.

تخوض تل أبيب صراعاً وجودياً في كل المستويات، وتتابع بقلق عميق عدداً من التحولات الكبرى المتعلقة بدورها الوظيفي في المنطقة، والتي بدأت عملياً مع خروجها من جنوبي لبنان عام 2000 من دون قيد أو شرط، وعجزها في حرب تموز/يوليو 2006، والتي كان من المفترض بها أن تؤدي إلى ولادة شرق أوسط جديد تبعاً للقرار الأميركي، ثم في مواجهات غزة في الأعوام 2008 و2012 و2014 بصورة أساسية. وعلى الرغم من تورطها المباشر في الحرب على سوريا، من خلال تقديم الحماية والدعم للمجموعات المسلَّحة في درعا والقنيطرة وأماكن أُٰخرى، وإشهار علاقتها بالإمارات العربية المتحدة على نحو صريح، وبالسعودية بطريقة مواربة، فإن ذلك لم يكن كافياً لتغيير نمط التهديدات المحيطة بها، بل زادت أكثر بعد بدء تحوّل الجنوب السوري إلى بيئة ملائمة لقوى المقاومة التي أصبحت في مواجهة الاحتلال في الجولان.

تعزَّزت الهواجس الوجودية لدى تل أبيب بعد مجيء الإدارة الأميركية الجديدة باستراتيجية تسريع تشكيل بيئة ملائمة للخروج من المنطقة، بصورة تحفظ المصالح الأميركية، ولو على حساب مصالح تل أبيب، على الرغم من العلاقة الوثيقة بين الطرفين. فـ"تل أبيب"، التي تشهد انقساماً سياسياً غير مسبوق لقواها الداخلية بعد العجز عن تشكيل حكومة إسرائيلية في إثر أربعة انتخابات، تجد نفسها أمام حالة من افتراق المصالح بينها وبين واشنطن، وخصوصاً بعد أن عجزت، هي والرياض، عن فرض ملفَّي الصواريخ الدقيقة وتوسع قوى المقاومة في الإقليم. والأكثر قلقاً للجانب الإسرائيلي أن من يقودون المفاوضات هم من اليهود الأميركيين الذين يشكّلون أكبر تجمّع يهودي في كل الإدارات الأميركية المتعاقبة، إذ وصل عدد أعضائه من اليهود إلى إحدى عشرة شخصية أميركية، على رأسها وزير الخارجية أنتوني بلينكن، ورئيسة وكالة الاستخبارات المركزية إڤريل هاينز. والأنكى من ذلك أن روبرت مالي هو من وقع عليه الاختيار لإدارة الملف النووي، وهو المعروف بميوله إلى العودة إلى صيغة الاتفاق النووي السابقة.

أدركت المملكة العربية السعودية أن هناك مساراً جديداً بدأ بالتشكل بعد أن عجزت عن ثني الإدارة الأميركية عن الذهاب نحو ترتيب أولويات مصالحها على المستوى الدولي، وانعكاس ذلك على موازين القوى المتشكلة في غربي آسيا. وترافق ذلك مع خسارتها المدوّية في الحرب على "أنصار الله" في اليمن، الأمر الذي جعلها توقف عجلة التطبيع العلني مع "إسرائيل"، انطلاقاً من إعادة ترتيب أولوياتها وتقليل الخسائر قدر الإمكان، للمحافظة على دور إقليمي لها، يسمح لولي العهد بالوصول إلى سدّة الحكم بسلاسة، ومن دون ممانعة من واشنطن، وهذا الأمر دفعها إلى فتح القنوات الأمنية مع طهران ودمشق استعداداً للتموضع ضمن بيئة قيد الولادة في غربي آسيا.

لم يكن الحليفان الداعمان لحركة "الإخوان المسلمين"، أي تركيا وقطر، بعيدين عن مخاطر التوجهات الأميركية وأثر ذلك في دوريهما الإقليميين، الأمر الذي دفعهما إلى البدء بترتيب علاقاتهما بالسعودية والإمارات ومصر، التي تصطف تحت المظلة الأميركية، وعدم خسارة ما حققتاه في شمالي سوريا والعراق بعد الاحتلال التركي له.

ضمن هذه البيئة الاستراتيجية قيد التشكل لغربي آسيا، تحرك فلسطينيو القدس في حالة تحدٍّ واضحة للمشروع الاستيطاني في القدس المحتلة والرامي إلى تهويدها بصورة كاملة، ليرسموا معالم جديدة لجيل فلسطيني جديد، وخصوصاً في الأراضي المحتلة عام 1948، في ظل عجز السلطة الفلسطينية عن تغيير واقع الاحتلال والاستيطان بعد اتفاقية أوسلو 1993، واستمرار التوسع الاستيطاني الصهيوني في أراضي الضفة الغربية.

تحوّلت الانتفاضة الجديدة، بالتزامن مع الدعم العسكري من قطاع غزة وإطلاق الصواريخ على مناطق متعددة ضمن مدن الاحتلال ومستوطناته، إلى فرصة كبيرة جداً لا ينبغي تفويتها، بالنسبة إلى قوى محور المقاومة، الممتد من طهران إلى دمشق وصنعاء، مروراً ببغداد وبيروت والقدس، وخصوصاً بعد أن أظهر الفلسطينيون حجم انتمائهم إليه، وأظهروا حجم مكاسب هذا الانتماء، فلقد تم تثبيت معادلة موقع فلسطين بأكملها فيه على الرغم من ارتباط السلطة الفلسطينية وارتباط بقائها بالمشروع الصهيوني. وما يحدث اليوم سينعكس على جميع أطراف المحور؛ فعلى مستوى الكيان الإسرائيلي، ستتعزز لديه آفاق التآكل المتسارع في بنيته الداخلية، وسيزداد الانقسام فيه، مجتمعياً وسياسياً، الأمر الذي سيجعله يخسر مزيداً من مكانته لدى القوى الغربية التي ساهمت في صنعه وتقويته وبقائه. وستزداد هواجس إمكان البقاء لدى أفراده، وسيتسع جراء ذلك التباين في المصالح بين واشنطن وتل أبيب، بعد أن بدأت الإدارة الأميركية تدرك أن السياسات الإسرائيلية المتَّبعة تشكّل خطراً على مصالحها وعلى مصالح "إسرائيل" ذاتها، الأمر الذي قد يدفعها إلى الإسراع أكثر في الوصول إلى اتفاق مع طهران للعودة إلى الاتفاق النووي، والبحث عن صيغة لحل المسألة السورية بالتغاضي عن الحراك الإقليمي للعودة إلى دمشق.

لا يجب أن تترك هذه الانتفاضة الجديدة، ولا أن يترك دخول القدرة العسكرية لغزة في المعادلة الفلسطينية دون التدخل المباشر لقوى محور المقاومة إذا اقتضت الضرورة ذلك، فما يحدث في فلسطين يشكّل قفزة واسعة في طريق تشكيل نظام إقليمي جديد، تكون الكلمة العليا فيه لمن اتَّخذ قرار مواجهة الهيمنة الغربية وأدواتها.     

المصدر: الميادين نت