ابراهيم صالح  

 لم يكن مستغربًا أو مستهجنًا أن تقطع جماعات سمير جعجع الطريق الرئيسي في محلة نهر الكلب أمام النازحين السوريين العابرين من مناطق الشمال الى سفارة بلادهم في اليرزة للمشاركة في انتخابات الرئاسة، وتاليًا أمام اللبنانيين الآتين من الشمال في طريقهم الى أقاصي الجنوب في مظهر من مظاهر التعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني المظلوم وهو يقارع المحتلين الغاصبين وأن تدوس تلك الجماعات إمعانًا في عدوانيتها ووقاحتها العلم الفلسطيني. اذ إن هذا النمط من تلك الممارسات الوحشية هو سمة أساسية وأصيلة من ثقافة زعيم تلك الجماعات مذ تأسست تحت مسمى "القوات اللبنانية" ذراعًا عسكرية لحزب "الكتائب"، وتتصدى للمشاركة في الحرب الأهلية منذ بداياتها في عام 1975 الى يوم وضعت أوزارها عنوة في بدايات عقد التسعينيات.

 "مخزون" حافل من المغامرات الانتحارية وسجلّ من الخيبات والانكسارات الى الانقلابات والصراعات الداخلية، أودت في نهاية المطاف بـ"قائدها" في منتصف عقد التسعينيات الى السجن الانفرادي طوال 11 عامًا بعد محاكمات طويلة أُثبتت بأدلة لا يرقى إليها الشك (بدليل أنه لم يتجرأ على طلب إعادة المحاكمة) في جرائم موصوفة قضت بالسجن المؤبد له.

 ورغم أن جعجع خرج من سجن اليرزة الانفرادي (تحت الأرض) بموجب عفو خاص (لا يبرئه من جرائمه ومن الأحكام بحقه) فرضته الظروف المتشابكة التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري والحسابات العبثية الموتورة للفريق السياسي الذي تصرف بناء على اعتقاد أنه قبض بيد من حديد على زمام الحكم والقرار وصار يتصرف تصرف المالك بملكه، فإن هذه "الشخصية المعقدة" (أي جعجع) لم تستفد من تجاربها الخائبة المريرة وتؤول الى ممارسة اللعبة السياسية بشكل موضوعي ومتعقل يرتضي مشاركة الآخر والتفاعل والتكامل معه حسب الحاجة. اذ سرعان ما عادت هذه الشخصية الى طبعها الغالب المتأصل ومن مقوماته استخدام "القبضة الحديدية" بغية استعادة ما يعتقد أنه "ملك سياسي" الى قبضته مذ سيطر فريقه قبل عقود خلت بالترغيب والترهيب على مناطق لبنانية بعينها ومارس فيها وخلال سنوات عجاف شتى ألوان "الهيمنة والبطش والسلبطة" مقرونة بالعمل لاجتثاث أية قوة تحل نفسها وتعلن مبايعتها وموالاتها تماما. ولم يعد جديدًا التذكير بتجربة استخدام أسلوب الضربات الماحقة المتتالية التي وجهتها "القوات" في السبعينيات الى قوى مثل حزب الكتلة الوطنية ثم حزب الوطنيين الاحرار (المعروفين بالشماعنة) ولاحقًا في الثمانينات توجيه ضربة الى حزب "الكتائب" وطرد رئيسه أمين الجميل الى باريس بعد أيام من انتهاء ولايته الرئاسية، فضلًا عن مجموعات أخرى حاولت أن تجد لنفسها مساحة حضور ولو متواضعة وشكلية في الشارع المسيحي.

 ونسجًا على عادته المتأصلة، فقد شرع جعجع بعد فترة قصيرة على عودته إلى حلبة العمل السياسي من بوابة قوى 14 اذار وتحت عباءة تيار "المستقبل" في العودة المتدرجة الى ممارسة نهج سياسي ديدنه: تهميش قوى أساسية فرضت نفسها في الشارع المسيحي وفي مقدمها التيار الوطني الحر واخراجها من صلب معادلة الفعل والتأثير توطئة للحلول محلها، خصوصًا أن هذه القوة قد انطلقت لتوها في رحلة انفتاح سياسي مشهود لها فعلت فعلها في المشهد السياسي وكانت أبرز تجلياتها في تفاهم مار مخايل المفصلي.

 بمعنى آخر، عادت هذه الشخصية لتنقض في سرعة قياسيىة وفي أول فرصة سنحت لها على الرئيس سعد الحريري وتياره وتنفض يدها من تحالف سابق مبرم معه. ثم ما لبثت أن تركت حكومته بعيد 17 تشرين الاول وذهبت الى استخدام خيار الشارع بهدف استرداد الملك السياسي المضاع . وقد استخدمت الأساليب والخطاب التحريضي القائم على مفردات العنصرية والشحن الطائفي الذي سبق وتوسلته ابان سني الحرب وأودى بها الى المهالك والهزائم المتتالية.  

واذا كان أحد لا يجهل الطبيعة العنصرية المتأصلة في وجدان هذا الفريق ورفضه الجنوح الى لعبة سياسية بمواصفات النبل ومعايير الواقعية والموضوعية، فإن السؤال المطروح بالحاح الآن هو ما الذي دفع هذا الفريق الى العودة لأسلوب "قطاع الطرق والبلطجة" والتهويل بالعودة الى سياسة العصا الغليظة واستدراج الفتنة "واطلاق النفير للدفاع عن حدود الكانتون المهدد في هذه المرحلة"؟  

لم يعد جديدًا أن جعجع شرع منذ خروجه العاجل من حكومة الحريري بعيد ساعات على انطلاق حراك 17 تشرين الأول في ادارة "لعبة سياسية خبيثة وخطرة تندرج تحت عنوان: ثمة فرصة ذهبية سانحة الآن للقبض على ناصية القرار تمامًا في الشارع المسيحي وفرض معادلة مختلفة يصير معها هو المرجعية الحصرية وذلك انطلاقًا من الاعتبارات والحسابات واستطرادًا الرهانات الاتية:  

_ ان "التيار الوطني الحر" يراواح في أزمة أفضت الى تراجع في حضوره وتقلص في تأثيراته بعدما كان صاحب الحضور الأبرز منذ انتخابات عام 2005.

_ان رياح تطورات الأوضاع في الاقليم عمومًا من شأنها أن تساهم في اندفاع أشرعة سفينة "القوات اللبنانية" نحو الامام على نحو يفضي الى تامين فرصة امساكها بمقود اللعبة السياسية لاحقا كقوة أكبر في الشارع المسيحي.

 _ ان المطلوب من هذا الفريق ونتيجة ارتباطاته المعلومة والمزمنة أن يبرهن دوما لمن يعنيهم الأمر أن له اليد العليا في المناطق المسيحية وانه تاليًا يمتلك "عصا قوة غليظة وقادرة" وبالتالي يمكن الرهان عليها في مواجهة الآخرين ساعة تستدعي الحاجة.

 إن السبيل الأساس والأقصر لبلوغ هذه الأهداف هو العودة الى لغة التحريض وخطاب الكراهية والعنصرية الذي ساد ردحًا من الزمن ثم باد وتاليًا استعراض العضلات والتهويل بسيف العودة الى أجواء الاحتراب واقفال المناطق وقطع الطرق على الآخرين.

 لم تكن أحداث نفق نهر الكلب الفاصل بين كسروان والمتن (والمتمثل بكمين محكم أمام السوريين العابرين) ظاهرة جديدة ومفاجئة بل هي استتباع لنهج بدأ العمل بمندرجاته مع انطلاق حراك 17 تشرين. وليس خافيًا التباهي العلني لرموز من هذا الفريق وفي مقدمهم الوزير السابق رياشي بأن العناصر التابعة لهم هي من بادر الى قطع الطرق في ضبية وجل الديب ونهر الكلب وجسر الرينغ وجونية ابان الشهور الثلاثة الأولى من ذاك الحراك وأنهم هم من قادوا عمليات التصدي لقوى الأمن للحيلولة دون فتحها.  

 ولما لم تنتهِ مفاعيل اللجوء الى هذه اللعبة المؤذية الى أي نتيجة، جنح هذا الفريق الى لعبة الزعم أنه الأقوى والأقدر على الحسم في شارعه فرفع شعار الذهاب الى انتخابات مبكرة لتكون نتائجها أساسًا لسلطة جديدة وفي طيات دعوته تلك "ثقة بالنفس".

 وعندما بدا هذا الشعار باهتًا بلا صدى عاد هذا الفريق مجددًا الى لعبة استخدام الشارع عبر العودة الى اطلاق الشعارات العنصرية ضد النازحين السوريين والتماهي مع "عرب الاستسلام" والزعم أنه سيفهم وترسهم وساعدهم "في مواجهة الآخرين وخصوصًا الخصوم والأعداء  متى طلبوهم وجدوهم وأنهم الاحتياطي الاستراتيجي البديل لحلفاء الأمس الذين خرجوا عن حدود الولاء والطاعة.

 وعمومًا يبني جعجع حساباته على أسس افتراضية غير صلبة وثابتة بالتأكيد منها على سبيل المثال: أن ثمة فراغًا في الشارع المسيحي يتعين الإسراع في ملئه وأن ثمة استطرادًا يأسًا وإحباطًا في هذا الشارع بعد التعقيد السياسي الأخير وبعد الانكماش الاقتصادي الحاصل. وأكثر من ذلك فإن هذا الفريق الذي دخل في سباق محموم مع الوقت يستغل التناقضات وصراعات المحاور في الاقليم لكي يبرهن لمن يعنيهم الأمر أنه "رجل المرحلة الذي بالامكان الاعتماد عليه".

وعليه يبدو جليًا أن جعجع قرر العودة الى لعبة "الرقص على رؤوس الافاعي" ومحاولة استغلال اللحظة ولكن يبدو أنه فاته ان الظروف والوقائع مختلفة ومتحولة. ففي اليوم نفسه الذي كان فيه أنصاره ينفذون أمر عمليات بقطع طريق نهر الكلب وفتح مواجهة كانت بيارق النصر ترتفع خفاقة في كل فلسطين ويحقق محور الممانعة والمقاومة أحد ابرز انتصاراته ويقر العالم الغربي الذي يعتبر جعجع نفسه جزءًا منه بأن ثمة تقدمُا لا يستهان به ولا يمكن تجاهله لهذا المحور.

اضافة الى ذلك، الثابت أن مزاج الشارع المسيحي لم يعد بالإجمال يحتمل شدة لخوض غمار تجارب غير مأمونة النتائج ومضمونة العواقب.

 لذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه هل يعيد رجل المغامرات المجنونة والخائبة النظر في حساباته ورهاناته؟ 

العهد الاخباري