تحميل المادة

إلى جانب بعدها الدستوري والقانوني، فإن للانتخابات الرئاسية السورية أهميتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك انطلاقاً من ضغط عاملين رئيسين؛ يتمثل العامل الأول في حجم التحديات الداخلية والخارجية التي لا تزال تترك تأثيراتها على حياة السوريين وجهود تجاوز إفرازات سنوات الحرب، وما أكثرها. ويتعلق العامل الثاني بما ينتظر السوريون تحققه خلال الفترة القادمة من آمال وطموحات، ترتبط بشكل مباشر بالرغبة في التغيير على مستوى السياسات والاستراتيجيات وإدارة شؤون البلاد من جهة، وحدوث انفراجات تدريجية في الوضع الاقتصادي والمعيشي، والذي يشهد تأزماً منذ منتصف العام ما قبل الماضي نتيجةً لاجتماع عدة أسباب أبرزها الحصار الغربي الخانق والأزمة اللبنانية من جهة ثانية.
وليس من المبالغة القول إن تراجع المستوى المعيشي خلال الأشهر الماضية تسبّب بشيوع حالة من الإحباط واليأس، تجلّت ملامحها بوضوح من خلال سقف الانتقادات الشعبية الموجهة لأداء المؤسسات الحكومية ومسؤوليها، والأخطر كان في انتشار آراء وأفكار تخالف ما نشأ عليه الرأي العام المحلي حيال قضايا داخلية وخارجية. ورغم أنها كانت آراء عابرة وغير جدّية سقطت مع تعرضها لأول امتحان جوهري، إلا أن ذلك لا ينفي خطورتها، أو ضرورة البحث في جذور نشأتها وأسباب ظهورها في هذه المرحلة.
لكن بقدر قسوة الظروف والأوضاع التي سادت خلال الأشهر الماضية، فإن الأمل بقي حاضراً لدى الشريحة الأكبر من السوريين، التي آمنت ولا تزال تؤمن بقرب الخلاص السوري من كل إفرازات سنوات الحرب المؤلمة، مستندة في ذلك على إرث كبير من الإرادة والصبر في مواجهة ما هو أسوأ من الظروف الحالية. إرث تبلورت معالمه في ذروة يوميات الحرب عندما كانت القذائف تنهمر على الأحياء السكنية في دمشق والمحافظات، وموجات المقاتلين الأجانب تتدفق يومياً عبر الحدود مع معظم دول الجوار، ومع ذلك لم ينقطع السوريين عن أعمالهم ووظائفهم، لم تتوقف الحياة في معظم أرجاء البلاد، لم يغلق مستشفى واحد أبوابه أمام المرضى والمراجعين، ولم يوقف راتب موظف واحد... وغير ذلك،  وهذا أيضاً ما سيحدث مستقبلاً وإن بشكل آخر. رغم أن الآمال التي يعلقها السوريون على فترة ما بعد الانتخابات الرئاسية كبيرة ومستحقة.
الاقتصاد.. هو الأهم!
يُجمع السوريون على أولوية الملف الاقتصادي في المرحلة القادمة، لاعتبارات تتعلق أولاً بالوضع المعيشي الصعب، حيث تعاني معظم الأسر السورية من انعدام حالة الأمن الغذائي، بِنَسبٍ لم تعُد متباينة كثيراً، بحسب نتائج مسوح الأمن الغذائي التي أجراها المكتب المركزي للإحصاء وهيئة تخطيط الدولة وبرنامج الغذاء العالمي، لا سيما المسح الأخير الذي تمّ في نهاية العام 2020. والاعتبار الثاني ينطلق من أن المعركة مع الخارج باتت في معظمها اقتصادية، منذ تمكّن الحكومة من استعادة مناطق واسعة خلال عامي 2017 و2018، وهذا اتضح مع تشديد الولايات المتحدة الأمريكية حصارها الاقتصادي على سورية مع بدايات العام 2019، وتوجهها لإصدار قانون "قيصر" والبدء بتنفيذه منتصف العام الماضي، ومن ثم الحديث مؤخراً في أوساط الإدارة الأمريكية عن إمكانية إصدار نسخة جديدة من القانون المذكور، تكون أكثر تشدداً، وتالياً، فإن مواجهة الحصار الغربي يتطلب تدعيم الجبهة الداخلية اقتصادياً.
وإذا كان السواد الأعظم من السوريين اليوم يجتمعون على أولوية معالجة الهمّ المعيشي، فإن الوصول إلى ذلك الهدف يحتاج، بنظر الاقتصاديين والمهتمين بالشأن العام، إلى وضع استراتيجية وطنية اقتصادية مختلفة جذرياً عن السابق، تلتزم كل مؤسسات الدولة بتنفيذها وفق برنامج زمني واضح ومحدد، يكون مقياساً للتقييم والمحاسبة. ومحاور هذه الاستراتيجية لم تعد بحاجة إلى نقاش وتحليل كبيرين، إذ ليس هناك خلاف على ضرورة استعادة دوران عجلة الإنتاج الوطني فعلياً، بما يتطلبه ذلك من قرارات حكومية جريئة وتسهيلات تتناسب وأضرار الحرب واحتياجات الصناعيين والمنتجين، وذلك بالتوازي مع الاستثمار الأمثل للموارد والثروات الوطنية، بعد عملية مراجعة وتقييم شاملة للوضع الراهن. كذلك الأمر بالنسبة إلى معالجة الإشكاليات التي أنتجتها السياسات الاقتصادية السابقة، من قبيل مشكلة عجز الموازنة ومصادر تمويلها؛ انخفاض سعر الصرف؛ ارتفاع معدل التضخم؛ ارتفاع معدل البطالة؛ وانخفاض الدخل وغير ذلك. إضافة إلى المحور الاجتماعي المتمثل في إصلاح منظومة الدعم الحكومي، وتخليصها من الفساد وأوجه الهدر، من دون أن يؤثر ذلك على اعتمادات الدعم، وتغطيتها لاحتياجات الشرائح المستحقة في مختلف القطاعات.
لكن كل ذلك مرتبط بإصلاح جذري للإدارة الحكومية، إصلاح يبدأ بتغيير آليات العمل والتفكير، ويصل إلى اعتماد معايير وأسس علمية لاختيار المسؤولين وشاغلي المناصب في مختلف المستويات الوظيفية، وصولاً إلى مواجهة ظاهرة تضخم الفساد الإداري والمالي وتغوّله في مؤسسات الدولة وأجهزتها. ومع أن الفترة الماضية شهدت خطوات في هذا الجانب، إلا أنها لا تزال، برأي اقتصاديين، "مبعثرة"، ولا تعبّر عن سياق منظم لمواجهة حالات الخلل الحاصلة، فضلاً عن كون تلك الخطوات غير مترافقة بإجراءات محاسبة ومساءلة علنية، كما يرغب أو يتمنى الرأي العام.
هيبة الدولة!
في السياق نفسه والمرتبط بمكافحة الفساد، يحضر مطلبٌ آخر، يُعبَّر عنه شعبياً بعبارات ومصطلحات مختلفة تبعاً لاهتمامات كل شريحة؛ درجة انخراطها في الشأن العام؛ وطبيعة مصالحها. فالمواطن العادي يطالب بإعادة فرض سلطة القانون ووقف جميع أشكال التجاوزات و"التنمر" الحاصل من قبل أفراد وجماعات تعدّ نفسها فوق الدولة والقانون، في حين أن المهتم بالشأن العام، يعبّر عن ذلك بضرورة العمل مؤسساتياً على تفكيك اقتصاديات الحرب، والتي باتت خطراً على مؤسسات الدولة والمجتمع من خلال ممارساتها وأعمالها غير القانونية، واستغلالها لبعض موارد الدولة وثرواتها واحتياجاتها. فاستمرار نشاط اقتصاديات الحرب من شأنه إضعاف سلطة الدولة على المدى القريب والمتوسط، والإسهام بزعزعة ثقة المواطن بمؤسساتها وجهاتها العامة، وهذا سيمثل تحدياً كبيراً خلال الفترة القادمة.
وليست القطاعات الأخرى بأقل أهمية على أجندة الآمال الشعبية، فاستمرار الدعم الحكومي لقطاعات أساسية كالصحة والتعليم والطاقة وغيرها، لا يحجب مطالبات شعبية عدة بتحسين نوعية الخدمات المقدمة، وتسهيل عملية الوصول إليها، بعيداً عن المحسوبيات والعلاقات الشخصية، وبخاصة أن الحرب أتت في مناطق جغرافية مختلفة على جزء كبير من المنشآت والمؤسسات الصحية والتعليمية والثقافية، متسببة بضرر كامل أو جزئي لها.
تحديات وصعوبات!
لا يملك رئيس الجمهورية عصا سحرية لتحقيق كل ذلك، لكنه يملك، وفق المؤشرات الأولية لمجريات عملية التصويت خارج حدود البلاد، زخماً شعبياً يمكّنه من قيادة عملية تغيير واسعة، تستجيب لهموم المواطنين وطموحاتهم وفق الإمكانيات والقدرات المتاحة، وفي الوقت نفسه تطلق مشروعاً وطنياً لتجاوز تأثيرات سنوات الحرب، وإعادة البناء في مختلف القطاعات الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، التعليمية، وغيرها.
وكي نكون موضوعيين، علينا الإشارة إلى أن الصعوبات التي تعترض الفترة الرئاسية القادمة كثيرة ومتشعبة، فالتهديد الأمني –مثلاً– لا يزال قائماً مع استمرار الدعم الخارجي لتنظيمات مسلحة وجهادية عديدة أبرزها تنظيم "داعش" الإرهابي ومجموعات "قسد"، كما أن استمرار سيطرة القوات الأمريكية على جزء كبير من الثروات والموارد الوطنية الأساسية كحقول النفط والغاز، من شأنه عرقلة الخطط التنموية ومشروعات إعادة البناء، واستعادتها خاضع لمتغيرات إقليمية ودولية. وهذا هو أيضاً حال العقوبات الغربية المتوقع استمرارها وربما زيادة حدّتها، مع نجاح دمشق في تنظيم الانتخابات الرئاسية، وإن كانت المؤشرات الإقليمية تشي بإمكانية حدوث تحولات نوعية، تنعكس إيجاباً على علاقات سورية بوسطها العربي والإقليمي.
والسؤال بعد هذا العرض... هل أمنيات السوريين وجدت لها مكاناً بين الحملات الإعلانية للمرشحين وشعاراتهم الانتخابية؟
مع أن حملات المرشحين اتخذت طابع الشعارات الموجزة من دون طرح برامج عمل تفصيلية، إلا أن تلك الشعارات كانت قريبة جداً من طموحات السوريين وآمالهم المعقودة على المرحلة القادمة، فشعار "الأمل بالعمل" يَعِدُ السوريين بمرحلة جديدة من العمل في ميادين الحياة كافة، وهذا يعني بنظر الكثيرين أن ثمة تغييراً منتظراً على صعيد الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وشعار "معاً" يؤشر إلى حتمية تعاون السوريين مع بعضهم البعض في بناء مستقبل أفضل بعد عَقْدٍ من حرب كانت مدمرة، إذ بقدر ما تتحمل مؤسسات الدولة مسؤولية العمل على صناعة ذلك المستقبل، فإن مسؤولية المواطن ليست هي الأخرى بأقل شأناً وأهمية، ففي النهاية بناء الأوطان تقع على عاتق أبنائها.
وتبدو شعارات المرشح الثالث أكثر مباشرة من خلال تركيزه على عناوين ملفات أساسية تمثل صدى لها في الشارع، كمحاربة الفساد ومحاسبة المتورطين فيه؛ توفير بيئة جاذبة للاستثمارات؛ محاربة الإرهاب ودحر المحتلين، تنشيط الحياة السياسية من خلال تفعيل دور الجبهة الوطنية... وغير ذلك.

مداد - مركز دمشق للابحاث والدراسات