تحميل المادة

تجري الانتخابات الرئاسية السورية (20 / 26 أيار 2021) في ظروف محلية وإقليمية ودولية يمكن القول إنها ليست مختلفة في الجوهر عن تلك التي جرت فيها انتخابات 2014، صحيح أن الحرب العسكرية خفّت وتيرتها إلى حدّ كبير والظرف الأمني قد غدا أفضل بعد أن استعادت الدولة سيطرتها على معظم المناطق، إلا أن الحرب الاقتصادية اشتدّ إوارها وتفاقمت تبعاتها في تضييق سبل العيش للسوريين، والحرب السياسية والدبلوماسية مازالت مستمرة ومتواترة بمؤازرة الحرب الإعلامية، مع خفوت الوتيرة أو ارتفاعها تبعا للظروف..
ومع هذه التحديات الجدّية، لم تتوانَ الدولة السورية عن القيام بالانتخابات الرئاسية في موعدها المستحق، وهي الثانية منذ بدء الحرب على سورية، التزاماً منها بإنفاذ الدستور والقوانين وإصراراً على أدائها لمهامها المنوطة بها  وثقتها بقدرة مؤسساتها وهياكلها على القيام بها وفق المعايير والضوابط القانونية والدستورية  النافذة، وهي ثقة نجمت عن تجارب سابقة استطاعت من خلالها إجراء انتخابات برلمانية لثلاثة أدوار تشريعية (2012 – 2016 – 2020) وانتخابات إدارة محلية (2011 – 2018) وانتخابات رئاسية (2014)  وتجاوزت من خلالها قطوعاً أصعب وأكثر تعقيداً.
تتجلى الأبعاد الدستورية والقانونية لهذا الاستحقاق من حيث الشكل والمضمون في الآتي:
-المادة 50 من الدستور تنص على أن سيادة القانون أساس الحكم في الدولة، والدستور هو القانون الأساسي للدولة، والالتزام بما ورد فيه وإنفاذه هو أساس الحكم وأحد مكامن شرعيته.
- وفقاً للمادة 85 من الدستور، دعا رئيس مجلس الشعب لانتخاب رئيس الجمهورية قبل انتهاء ولاية الرئيس الحالي (والمحددة في المادة 88 بسبعة أعوام يجوز تجديدها لمرة واحدة) بمدة لا تقل عن ستين يوماً ولا تزيد عن تسعين يوماً.
-وفقاً للمادة 85 البند 2، تم تقديم طلبات الترشيح إلى المحكمة الدستورية العليا خلال المدة المحددة بعشرة أيام من بدء الإعلان عن الدعوة لانتخاب الرئيس.
-من المتقدمين بطلبات الترشيح في المهلة المحددة والبالغ عددهم 51 متقدماً، وبعد فحص تلك الطلبات من قبل المحكمة الدستورية والبتّ فيها بناء على البند 2 من المادة 84 من الدستور، والتأكد من الطلبات التي استوفت الشروط المنصوص عليها في المادة 84 البنود 1 و2 و3 و4 و5 (العمر والجنسية والتمتع بالحقوق المدنية والسياسية والإقامة في سورية والزواج من سوريّة) والبند 3 من المادة 85 والمتعلق بحصول المتقدم للترشيح على تأييد خطي من 35 عضواً من أعضاء مجلس الشعب، أعلنت المحكمة الدستورية أسماء المتقدمين بطلبات الترشيح الذين استوفوا الشروط المنصوص عليها في الدستور، وثبتت الأسماء بعد أن نظرت في الطعون المقدمة في المهل المحددة بموجب البند 3 من المادة 146 من الدستور.  
-انطلقت الحملات الانتخابية التي ينظمها قانون الانتخابات رقم 5 لعام 2014، وتشهد وسائل الإعلام إفساح مساحات كافية للمرشحين للإدلاء ببرنامجهم الانتخابي، وهناك حملات إعلانية طرقية ولقاءات تلفزيونية، ويمكن لحظ تباين في عناوين الحملات وجرأة في الطرح تمثّلت في تضمّن البرنامج الانتخابي للمرشح المعارض محمود مرعي المطالبة في الإفراج عن معتقلي الرأي وتعظيم دور المجتمع المدني وإشراك المعارضة الوطنية في السلطة، كما تضمنت الحملة الانتخابية للمرشح عبد الله سلوم عبد الله انتقادات صريحة لدور حزب البعث في تحجيم دور الأحزاب الأخرى، وحملت حملة المرشح (الرئيس الحالي) بشار الأسد عنواناً ذا دلالة لافتة ومحملة بالمضامين "الأمل بالعمل" معبراً عن التعويل على عمل السوريين وجهودهم على المستويات كافة لبناء مستقبل البلاد.
-بالتوازي مع الإجراءات المشار إليها أعلاه، وجّه رئيس مجلس الشعب السوري دعوة لبرلمانات أربع عشرة دولة لمواكبة الانتخابات الرئاسية والاطّلاع على مجرياتها، من بينها روسيا والصين وجنوب أفريقيا والهند وعُمان والجزائر وكوبا ...
مما تقدم أعلاه، يظهر الالتزام التام ببنود الدستور والقوانين المرعية الإجراء بما يؤسس بدون أدنى مجال للشك لمشروعية الانتخابات وشرعيتها، بوصفها شأناً داخلياً وسيادياً سورياً محضاً.
خلال السنوات التي سبقت موعد الاستحقاق الرئاسي، كان ثمة سعي محموم ودائب من الدول الشريكة في الحرب على سورية لمنع إجراء الانتخابات الرئاسية. فكان المسعى الأول لتأجيل الانتخابات بحجة الحرب وعدم توافر الظروف المناسبة لإجرائها، وكان المأمول إذا نجح هذا المسعى أن يتوافر سبب للطعن في شرعية الرئيس بوصفه رئيساً منتهية ولايته. وبرغم الضغوط التي مورست، أصرّت الدولة السورية على إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري، سيما وأنها ليست أول انتخابات تُجرى في الحرب، فقد سبقتها انتخابات رئاسية وبرلمانية وإدارة محلية، ولأكثر من مرة جرت في مواقيتها الدستورية وفي ظروف أمنية ولوجستية أصعب، وفي ظل حملات تشكيك وضغط أشد.
أما المسعى الثاني فتمثّل في ضغوط كبيرة مورست على مستويات متعددة لتسريع عمل اللجنة الدستورية المناط بها إنجاز إصلاح دستوري، إصلاحٌ يؤمل منه أن يجعل الاستحقاق الانتخابي الرئاسي يحصل وفقاً لما تريده القوى الدولية والإقليمية المشارِكة في الحرب على سورية، والمهيمنة على وفد المعارضات في اللجنة الدستورية وعلى جزء من وفدٍ سُمّي بالمجتمع المدني، ويؤمن لهذه القوى حضوراً غير مباشر لإرادتها في مختلف مفاصل القرار في الدولة السورية، ربما عبر استنساخ نظام برلماني شبيه بالعراق ولبنان؛ وهذا المسعى كان مآله الإخفاق كسابقه.
وحيث أن المسعيين لم يصلا إلى غايتهما، بدأ مسعى جديد تمثّل في التشكيك بشرعية الانتخابات عبر تصريحات عديدة منها مثلاً تلك التي قيلت في جلسة مجلس الأمن (28/5/2021) حيث أعلن المندوب الفرنسي أن دولته لن تعترف بأي مشروعية للانتخابات دون إدراج السوريين في الخارج، ولأنها تنظم تحت رقابة "النظام " ودون إشراف دولي على النحو المنصوص عنه في القرار 2254. بينما قالت المندوبة الأمريكية أنها ستكون انتخابات "زائفة" بدليل الفشل في تبني دستور جديد وأنه يجب مشاركة السوريين النازحين واللاجئين فيها، وقد أعلن نائبها بصيغة أوضح أن إدارة بايدن لن تعترف بنتائج الانتخابات ما لم تشرف عليها الأمم المتحدة لأنها لن تكون حرة ونزيهة. أما المندوبة البريطانية فقد ذهبت إلى أنها انتخابات تُجرى في ظل غياب بيئة آمنة ومحايدة، وهذا لا يضفي الشرعية عليها.
وفي السياق نفسه، دعت دول الاتحاد الأوروبي إلى إجراء الانتخابات تحت رعاية الأمم المتحدة، وأن تشمل المعارضة والسوريين خارج سورية، وصرح وزير خارجيتها أنها بدون ذلك ستكون "مهزلة".
تجدر الإشارة إلى أن هذه المواقف، فضلاً عن أنها تشكل تدخلاً سافراً في شأن داخلي سيادي لدولة مستقلة، فإنها لا تحمل جديداً كوننا اعتدنا على سماعها بشكل متكرر منذ بداية الحرب على سورية، لا بل كانت لهجتها أقسى وشمولها أوسع، وكانت مدعومة بمواقف لدول عربية (يمكننا لحظ صمتها الآن وبعض الليونة في مواقفها)، ومن نافل القول إنها لم تأت أُكُلها ولم تغير الوقائع على الأرض سابقاً، وبقيت الدولة السورية محتفظة بشرعيتها وبنواتها الصلبة بكل مرتسماتها.
المفارقة أن بعض هذه الدول، مثل فرنسا، سمحت ولو متأخرة  بإجراء الانتخابات للسوريين المقيمين فيها جنباً إلى جنب مع معظم الدول الأوروبية الأخرى، وهذا يعني أن جزءاً من الحجج المساقة للتشكيك في شرعية الانتخابات قد تهاوى بمشاركة السوريين في الخارج فيها، أما الدول التي منعت الانتخابات على أرضها، فهي بذلك من حَالَ دون مشاركة السوريين فيها وليس الدولة السورية التي قدّمت كل التسهيلات المطلوبة لذلك، والغريب أنهم يمنعون السوريين من التصويت رغم أنهم في بلاد لا سيطرة للدولة السورية عليها، ومن ثم ليس ثمة أية إمكانية لتخويفهم أو ترهيبهم أو حتى رشوتهم وشراء أصواتهم، كما تدّعي تلك الدول، للتشكيك بنزاهة الانتخابات في الداخل، وبعبارة أخرى، ستكون العملية الانتخابية  في الخارج "حرة ونزيهة" وفقاً لمعايير هذه الدول.
وليس ثمة تفسير لمنع هذه الدول للانتخابات، وبخاصة تلك التي تملك كتلة وازنة عددياً من السوريين في الخارج –كألمانيا وتركيا، سوى أنها تدرك بوضوح أنها لو سمحت بالانتخابات فسيتكرر مشهد حشود السوريين الزاحفة إلى سفارة دولتها للإدلاء بصوتها؛ كما حدث في بيروت وعمّان وغيرها من العواصم عام 2014، وهو ما شهدناه وبالزخم نفسه في بيروت وعمان وبغداد وغيرها يوم 20 أيار، ومشهد كهذا لن تستطيع وسائل الإعلام، رغم تحيزها، تجاهله كلية، ما يعني والحال هذه وبما لا يدعُ مجالاً للشك، دحضاً للسردية المضللة والزائفة التي سوّقتها هذه الدول عن الحدث السوري، وفضحاً لأكذوبة أن هؤلاء السوريين معارضون لدولتهم وأنهم نجوا بأنفسهم من "نظام يقتل شعبه" بينما هم في الحقيقة موالون بغالبيتهم لدولتهم، وأنهم إنما فروا من إرهاب الجماعات الإرهابية المسلحة التي دعمتها وموّلتها هذه الدول وأسمتها زوراً وبهتاناً "ثورة ".
أما عن مسألة الإصرار على إجراء الانتخابات بإشراف الأمم المتحدة، فمن المعروف أن أمراً كهذا يمسّ السيادة ويخترقها، وهو ما لا تقبل به الدولة السورية، فضلاً عن أن الأمم المتحدة ليست طرفاً نزيهاً، وثمة شكوك كثيرة حول ذلك، والأمثلة عليه عديدة بفعل سلطة الدول الممولة وقدرتها على فرض خياراتها عبر ذلك.
تبقى مسألة ربط الانتخابات الرئاسية بالقرار 2254، وهي ليست إلا مجرد ذريعة لا تمتلك أساساً لها، إذ ليس من صلة بين الأمرين على الإطلاق، فالقرار المذكور ينص في فقرته العاملة الرابعة على أن مجلس الأمن يُعرب عن دعمه لعملية سياسية بقيادة سورية تيسرها الأمم المتحدة وتقيم في غضون فترة مستهدفة مدتها 6 شهور حكماً ذا مصداقية يشمل الجميع ولايقوم على الطائفية، وتحدد جدولاً زمنياً وعملية لصياغة دستور، ويُعرب كذلك عن دعمه لانتخابات حرة ونزيهة تجري عملاً بالدستور الجديد في غضون 18 شهراً تحت إشراف الأمم المتحدة، بما يستجيب لمتطلبات الحوكمة وأعلى المعايير الدولية من حيث الشفافية والمساءلة، وتشمل جميع السوريين الذين يحق لهم المشاركة، بما فيهم أولئك الذين يعيشون في المهجر.
وكما هو واضح، فإن القرار يتحدث عن انتخابات في سياق عملية سياسية بعد إنجاز دستور جديد، وبصرف النظر عن المُهل الزمنية والتي لم يعُد لها أي قيمة بعد مرور أكثر من خمس سنوات على صدور القرار الذي ليس تحت الفصل السابع، ومن ثم يفتقر إلى قوة تنفيذية على الأرض، وحيث إنه ليس حتى الآن ثمة مسار ملموس للعملية السياسية بعد جولات جنيف العديدة سوى مسار اللجنة الدستورية المتعثر بسبب ارتهان قرار وفد المعارضات لسيطرة دول إقليمية وعالمية  والذي نجم بالأساس عن سوتشي وليس عن جنيف؛ وطالما أنّ لا دستوراً جديداً بعد، فلا انتخابات بناءً عليه وفقاً لمنطوق القرار 2254، وريثما تنتهي اللجنة الدستورية من عملها في صياغة مقترح إصلاح دستوري يُعرض على السوريين ليقولوا رأيهم فيه، فإنه والحال هذه، ووفقاً لأبسط المبادئ الأساسية في الفقه الدستوري، يظل الدستور النافذ هو الحاكم وله القول الفصل في أي استحقاق انتخابي، ما يؤكد أن ليس ثمة معنى للربط المتعسف بين الانتخابات الرئاسية وبين القرار 2254 سوى اتخاذه ذريعة لإحداث فراغ رئاسي، ولتبرير الموقف المشكك أو الرافض لإجراء الانتخابات، وهو موقف لا يستند إلى أي أساس موضوعي كما بيّنا أعلاه.
باختصار، سورية دولة قائمة بمؤسساتها كافة والتي لم تتوقف عن أداء مهامها طيلة سنوات الحرب رغم الإجهاد الذي أصابها، دستورها هو الحاكم والسيد، وبناءً عليه تجري الاستحقاقات الانتخابية، وليس بناء على أي اعتبار آخر، وشرعيتها مستمدة من شعبها وليس من أي دولة أخرى.
وباختصار أيضاً، لطالما قال السوريون كلمتهم على امتداد سنوات الحرب العجاف، وأعلنوا انتماءهم لهويتهم وانحيازهم لدولتهم، وبالأمس قالوها في إقبالهم المذهل على المشاركة في الانتخابات في البلدان التي يقيمون فيها، وسيقولونها يوم 26 أيار معلنين تمسكهم بحبل السرة الذي يربطهم بسورية، حبلٌ من الأمل بالعمل الجاد والدؤوب على المستويات كافة، لبناء بلدهم وازدهارها والحفاظ على سيادتها واستقلالها ووحدة أراضيها.

مداد - مركز دمشق للابحاث والدراسات