تحميل المادة

حدثت الانتخابات الرئاسية السورية في المعنى والسياسة، قبل أن تحدث في الواقع؛ ومن ثم لا يوجد كبير الفرق في القول بأن المرء أو المرأة، سوري أو غير سوري، في الداخل أو الخارج، حليفاً أو عدواً، إلخ، هو "مع" أو "ضد" الانتخابات، إذ ما من طرحٍ في كلتا الحالتين يمكن أن يُحدث اختلافاً يُذكر. ومثل ذلك بالنسبة لموقع ومقام الرئيس بشار الأسد فيها.
لكن، لماذا القطع في الموضوع على هذا النحو، وأي أفق ممكن أو أي أوليات حاكمة له وللسياسات في مرحلة ما بعد الانتخابات؟
يمكن التمييز، هنا، بين مستويين، الأول هو مبدأ الانتخابات، والثاني هو الرهانات الكامنة فيها أو حتى النتائج المتوقعة منها. بالنسبة للمستوى الأول، فإن دمشق لم تقبل أي نقاش حول الانتخابات، ولم "تتلقَّ" من أي طرف كلمة واحدة بهذا الخصوص، ذلك أن الحدث محكوم بالدستور، وليس قضية للمداولة أو للتفاوض.
ومن ثمّ فإن موعد الانتخابات الرئاسية ثابت، لا يمكن تغييره، كما لا يمكن النظر إليه انطلاقاً من مواقف الدول الأخرى، ولا يمكن قبول التدخل فيه. وقد كشف تدفق الأعداد الكبيرة من السوريين في الخارج للمشاركة في الانتخابات، كما حدث في لبنان، عن إدراك السوريين للأهمية الرمزية للحدث، في رسالة مهمة تلقتها دمشق، كما تلقاها خصومها أيضاً.
المستوى الثاني، هو موقع الرئيس بشار الأسد في الانتخابات، وبكلام صريح، فإن الاستحقاق لن يغير في حركة البلاد أو طبيعتها أو اتجاهات السياسة فيها، ذلك أن فضاء السياسة في سورية، مثلما هو فضاء الحرب، يتمركز حول شخص ومقام الرئيس الأسد، وقد كان اسمه ومقامه وموقعه، ولا يزال، يكثف المشهد السوري بكليته، تقريباً.
وبهذا المعنى، فقد كانت كل لحظة من الحرب منذ العام 2011 "انتخاباً" و"اختياراً" سياسياً ودولتياً وقيمياً وتاريخياً ومستقبلياً، إلخ، قبل أن يكون عسكرياً أو أمنياً، بل إن البُعدين أو المشهدين العسكري والأمني، كانا بمثابة استمرار للسياسة لكن بوسائل أخرى، بتعبير معروف لـ كلاوزفيتز، وبمثابة استمرار شريحة كبيرة من السوريين في دعم النظام السياسي والدولة، وبكلمة واحدة، تمسكهم بالرئيس بشار الأسد وولائهم له.
وهكذا، فقد كانت كل لحظة من الحرب، وكل طلقة، وكل كلمة، وكل موقف، جزءاً من "عملية انتخاب دائمة" أو "عملية تصويت دائمة"، ضحّى فيها عشرات بل مئات الآلاف من السوريين بمواردهم وحيواتهم ودمائهم وأرواحهم؛ وقد كان الرهان الرئيسِ لخصوم دمشق هو إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، بكل الرهانات والمقاصد الكامنة والبادية في الحرب. في ما كان الرهان الرئيسِ للموالاة هو التمسك بنظام الرئيس بشار الأسد، وبقيادته هو بالذات. هذا يقوم مقام البداهة في الحدث السوري، وقد لا يختلف عليه اثنان.
بهذا المعنى أيضاً، فإن الانتخابات الرئاسية هي حدث إجرائي من جهة، وحدث رمزي معنوي من جهة أخرى؛ هو إجرائي بمعنى أنه استحقاق دستوري يجب أن يجري وفق الترتيبات الناظمة والآجال المعروفة؛ ورمزي معنوي بمعنى أنه إعادة تأكيد على موقف السوريين أو الشريحة الأكبر منهم، من الرهانات الرئيسة للحرب السورية، وهي أن الانتخابات استمرار للحرب إنما بوسائل أخرى.
وهكذا، فإن الحدث الانتخابي، بصرف النظر عن مواقف الأطراف، موافقة أو مناهضة، يمثل محطة في مسار طويل، وهو نوع من الاستئناف أو الاستمرار وليس القطع أو التغيير، ومن ثم فقد لا تتغير طبيعة الحدث السوري، ولا حتى الرهانات الكامنة أو البادية فيه، كما سبقت الإشارة، إلا أن المؤمل كبير.
صحيح أن الرئيس بشار الأسد لم يرفع سقف التوقعات، لا الآن ولا في الماضي، وقد حرص طوال الوقت على تقديم خطاب هادئ وموضوعي وعقلاني، إلا أنه قدّم مقولته أو شعاره للمرحلة المقبلة "الأمل بالعمل"، وهذا من المفترض أن يحيل إلى تغير كبير في مقاربة الحدث والسياسة، وفي تقدير تحديات ورهانات المرحلة المقبلة.
وإذا صحّت القراءة، فإن ثمة أوليات حاكمة للسياسة التي يُحتمل أن ينتهجها الرئيس بشار الأسد، يمكن التعبير عنها، وهذا مجرد قراءة أو تقدير، في النقاط الرئيسة الآتية: أولوية الفعل أو العمل على الخطاب، وأولوية الاقتصاد أو الإنتاج على السياسة، والسياسة على الحرب، والداخل على الخارج... وهذا باب فيه كلام كثير.
عشتم وعاشت سورية..

مداد - مركزدمشق للابحاث والدراسات