تحميل المادة

"اقترِب ممن يفتحون بروحك نوافذ من نور، ويقولون لك أنه في وسعك أن تضيء العالم". بهذه العبارة الكثيفة والدالة، عبّر أحد رموز المتصوفة الكبار "شمس الدين التبريزي" عن فهمه للحياة ودفاعه عنها، وقد أحالني القول إلى الراحل سعد الله ونوس عندما كتب "إننا محكومون بالأمل".
ألم يفاجئ السوريون، ومنهم المقيمون في الخارج، العالم بعمق انتمائهم وتعلّقهم بهذا الوطن وجدانياً ووطنياً وإنسانياً، عندما توافدوا إلى مقرات سفاراتهم في مختلف بقاع الدنيا للوصول إلى صناديق الاقتراع والمشاركة في أهم استحقاق وطني ودستوري وسيادي، عبر احتفالية وحضور يترجم هذا الالتصاق الحميمي والعضوي ببلدهم؟!
إنها لوحة الانتماء والوفاء، رسمها السوريون بحناجرهم وأعلامهم وصور رمز وحدتهم وعزّتهم وضامن مستقبلهم، صاغوها بحماستهم وعفويتهم وأغانيهم، ممزوجة بفرح أطفالهم، واندفاع شبابهم، والحضور الراقي للمرأة السورية، ما ألهمنا جميعاً معاني ودلالات الاستمرار والبقاء، وأوضح سرّ امتلاك القوة والأمل والقدرات العظيمة لشعبٍ أتقن فنون التعاطي مع الزمن وتقلبات أحواله وأهواله، متطلعاً صوب الآتي بثقة وتفاؤل بإعادة بناء الإنسان قبل الحجر، فهو وبعمله ودأبه وخبرته ومخزونه الحضاري العميق، سيحجز لنا وللأجيال القادمة مكانة تليق بنا.
لقد حوّل السوريون، وكأنهم كانوا يترقبون الفرصة، الاستحقاق الانتخابي إلى لحظة فارقة قلبت توقعات المشككين والأعداء، في مشهدية قلّ نظيرها، يفخر بها المواطن السوري أينما وُجد في الدنيا، وهي تُنبئ بمستوى كثيف من المشاركة والإقبال يوم الأربعاء القادم، حيث يقول الشعب كلمته ويختار من سيحمل تطلعاته وآماله وينقلها إلى ميدان التحقق والفاعلية والعمل.
ويبقى السؤال حول كل ذلك مطروحاً: من أين جاء كل هذا الزخم، وما الذي تغيّر في المزاج العام، أم أنه ناموس التحدي والاستجابة، والإكراهات والفرص واختيار الدفاع عن الحياة؟
لمقاربة السؤال، يبدو لي أن أيقونة الصمود السوري في وجه أكبر التهديدات مُلهمة ولافتة. فمن تهديد الإرهاب المسلح المدعوم إقليمياً وعالمياً، إلى الصمود في أخطر مواجهات الجيل الرابع من الحروب وما بعدها، تلك التي تمزج العسكرة بالإعلام والاقتصاد بالحصار، في نمط فريد من الحروب الهجينة، أسهمت فيها ضد سورية دول وتحالفات والكثير من المال والميديا، لكسر إرادة سورية وتفتيتها دون جدوى. كل ذلك بفضل ملحمة الصمود السوري وتمسك السوريين بحقوقهم ودفاعهم عن دولتهم وأرضهم، وبتضحيات الجيش العربي السوري وبسالته، فكان درع الوطن وسوره العالي في ظل القيادة الحكيمة والشجاعة والصبورة للسيد الرئيس بشار الأسد، واحتفاظه بالإيمان بالنصر وسلامة التوجه في أحلك الظروف وأصعبها، ما أبقى الأمل متوهجاً مع الإصرار على قيادة السفينة السورية في أعتى العواصف وإيصالها إلى شواطئ الأمان.
هذه المعطيات والحقائق هي التي تمكّننا من فهم ما جرى وما سيجري، وستفتح الباب واسعاً على التحولات المرتقبة بعد الاستحقاق الرئاسي، وهي بصرف النظر عن التفاصيل، ستعمل على تكريس دور سورية ومكانتها الإقليمية والعربية، وستحمل اعترافاً بأهمية موقعها الجيوبوليتيكي وعلاقاتها وصلاتها، والتي ستسهم في إعادة صياغة معادلات وأوضاع المنطقة والإقليم مجدداً.
ألا يبرهن ما جرى ويجري في فلسطين المحتلة من اعتداء على البيوت والمقدسات والممارسات الهمجية لجيش الاحتلال والمستوطنين، على صوابية الرؤية السورية للصراع مع العدو؟ ويؤكد في ذات الوقت على استحالة استمرار الاحتلال والحفاظ على الاستقرار والسلام في آن!
لا سلام مع وجود الاحتلال، هذه البداهة الحاضرة بقوة أمام كل ذي بصيرة، لن يغيرها كل الانحياز الغربي لإسرائيل ولا الاتفاقيات الصورية ولا التسويات الهشة. فقد بقيت المستعمرات الصليبية طيلة قرنين من الزمن في المنطقة، ثم زالت مع أصحابها وتحولت في ذاكرة المنطقة إلى حكاية أو سردية لا تخلو من العبرة والمغزى.
سيشكل السوريون ملامح مستقبلهم بأيديهم ووفقاً لمصالحهم الوطنية رغم تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي، وسيثبتون بمشاركتهم اللافتة والكثيفة والمعبّرة أنهم معنيون بصياغة تطلعاتهم وتحديد أهدافهم القابلة للتحقيق، وسيصوتون بعقولهم ومشاعرهم وحسّهم الوطني، مستهدفين:
أولاً- تكريس القرار الوطني المستقل المعبّر عن سيادة الدولة الوطنية واستقلالها وقدرتها على استعادة الأرض والموارد بكافة السبل المتاحة.
ثانياً- المضي قدماً بالعمل والإنتاج والإبداع والبناء للوصول إلى امتلاك مقومات الأمن الغذائي اللازمة لتحسين سبل العيش وتجاوز إكراهات الحرب ومفاعيل الحصار، ومستقبلنا سيتحدد بما سنفعل إلى حدّ كبير.
ثالثاً- سيرى العالم كله كيف نحوّل الأزمات إلى فرص، فطاقات هذا الشعب غير محدودة، وقابليته للعطاء لا تنضب.
رابعاً- تشهد المنطقة والإقليم تحولات عميقة، فهناك مناخات تتغير، ومن المرجح أن تصبّ هذه التغيرات في مصلحة دمشق؛ إن كان على مستوى استعادة سورية لدورها الحيوي في المنطقة بصلاتها وعلاقاتها العربية والدولية، أو عبر الرسالة التي نرسلها للعالم والتي تتضمن تظهير قوتنا ووحدتنا، فأولوية الوطن فوق كل اعتبار.
خامساً- من المؤمل أن توضح المشاركة الفاعلة والكثيفة لكل السوريين؛ شباباً ونساءً ورجالاً، وبما يتجاوز أرقام ومعطيات انتخابات 2014، لكل العالم وللأعداء قبل الأصدقاء، تمسّك هذا الشعب ذي الإرث الحضاري العريق، بحقوقه وبما يزيد المناعة الوطنية والتماسك الاجتماعي القابل للبقاء. هذه الرهانات تستحق منا العمل بإخلاص بنقلها من صقالة الورق إلى تعقيدات الواقع.

مداد - مركز دمشف للابحاث والدراسات