هل يكون هذا مؤشراً إلى استراتيجيات صينيّة مختلفة ستعتمدها الصين على الصعيد العالمي في السنوات القادمة، أو أنه مرتبط حصراً بتهديد تستشعره؟

تعاني الصين منذ انتشار فيروس كورونا من البلاد إلى جميع أرجاء الكون، آثاراً اقتصادية واجتماعية وصحية كبيرة كبَّدها إياها انتشار الفيروس والحجر المنزلي التام الذي فرضته، وكأنَّ آثار الفيروس القاتل غير كافية، لتواجه الصين حرباً من نوع آخر؛ حرباً سياسية وإعلامية شرسة تريد تحميلها مسؤولية تفشي الوباء، سواء من خلال الادعاء بتصنيع الوباء في مختبراتها، أو من خلال اتهامها بالتستّر على المعلومات ونشر الوباء في العالم بسبب عدم اعترافها به.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أطلق على الفيروس اسم "الفيروس الصيني"، ثم اتَّهم منظَّمة الصحة العالمية بالتستر، وبأنها تسوّق الدعاية الصينية، ما جعله يقطع المساعدات المادية التي تقدمها الولايات المتحدة لتلك المنظمة، والتي تعادل 20 في المئة من مجموع موازنتها السنوية.

ونلاحظ أن الصين، وخلال فترة ما بعد تراجع الوباء فيها وانتشاره في العالم، ورداً على محاولات شيطنتها، تقوم بحملة سياسية ودبلوماسية وإعلامية متعددة الأبعاد والأهداف، تختلف عن السياق الذي تتبعه عادةً في سياساتها الخارجية. وقد تجسّد ذلك في مرحلتين:

المرحلة الأولى: الدعاية السياسية
كان التركيز الإعلامي الصيني في المرحلة الأولى لانتشار الوباء عالمياً يركّز بشكل أساسي على تجميل صورة الصين، باعتبارها "دولة الخير" التي تقوم بمساعدة الدول المتضررة من الوباء، عبر إرسال المساعدات الطبية وخبراء الصحة لمواجهة الوباء.

المرحلة الثانية: استراتيجية "الهجوم بمعرض الدفاع"
بعدما تبيَّن عدم قدرة الاستراتيجية الدعائية بمفردها على مواجهة الدعاية الغربية، والأميركية بشكل خاصّ، بتحميل الصين مسؤولية انتشار الوباء، وإظهارها وكأنها "دولة مارقة"، انتقلت الصين إلى استراتيجية دبلوماسية وإعلامية أكثر هجومية.

وهكذا، حفلت المواقع الصينية الناطقة بلغات غير صينية بالردّ على الاتهامات ونظريات المؤامرة الغربية، إما بنشر دراسات علمية تثبت الأصل الحيواني للوباء وتدحض فكرة التصنيع المخبري، وإما بنشر نظريات مؤامرة مناقضة ومضادة تتَّهم الأميركيين بتصنيع الفيروس، وإما أن الانتشار الأول لم يكن في الصين، بل في الولايات المتحدة أو إيطاليا.

أما دبلوماسياً، فنجد أنَّ حسابات الدبلوماسيين الصينيين على تويتر (والتي تمّ إنشاؤها في الأشهر الأخيرة)، مارست سياسة الردّ السريع على الاتهامات وتأنيب مطلقيها من سياسيي الدول الأخرى، بغضِّ النظر عن هُوية قائلها. 

بموازاة ذلك، تحدثت تقارير إعلامية عن ضغوط صينية وتهديد بوقف تصدير المعدات الطبية إلى أوروبا، ساهمت في تخفيف حدّة لهجة بيان الاتحاد الأوروبي وتراجعه عن اتهام الصين بالتستّر على خطورة الوباء.

وهكذا، نجد أنَّ الصين انتقلت بالفعل من سياسة تاريخيّة تقليديّة كانت تستخدمها إلى سياسة جديدة تماماً. عادةً ما تعتمد الصين في سياستها الخارجية على مبادئ كرّسها السياسي الصيني "شو انلاي" (مارس مهامه السياسية خلال الأعوام 1949-1976) الَّذي أسّس مبدأ "التعايش السلمي"، وطوَّرها "دينغ شياو بينغ" (حكم الصين من العام 1978 لغاية تقاعده في العام 1992)، وأضاف إليها فكرة "إخفاء القدرات الذاتية والاستمرار في إظهار عدم القدرة low profile ".

وأبرز ما جاء في سياسة دينغ، نقاط سبع استمرت الصين في استخدامها لغاية ما قبل كورونا:

1. قدّم الملاحظات بطريقة باردة.

2. أمّن موقعك جيداً.

3. تعامل بهدوء مع التحديات والمشاكل.

4. أخفِ قدراتك، واستفد من الوقت.

5. حافظ على الظهور بمظهر المتواضع.

6. لا تدّعِ القيادة أبداً.

7. اصنع فرقاً.

وعليه، إنّ ما تستخدمه الصّين اليوم من استراتيجيَّة متعدّدة الأبعاد، فيها الدعائيّ والهجوميّ، وتسويق النموذج الصيني بصفته نموذجاً عالمياً صالحاً للتقليد، يعدّ ابتعاداً عن الاستراتيجية التقليدية التي أرساها دينغ واعتمدها الصينيون لفترة طويلة، وتكريساً لاستراتيجية جديدة يطلق عليها الغربيون اسم "الذئب المحارب"، في الإشارة إلى فيلم صيني شهير، عرض الجزء الأول منه في العام 2015، والآخر في العام 2017. 

فهل يكون هذا مؤشراً إلى استراتيجيات صينيّة مختلفة ستعتمدها الصين على الصعيد العالمي في السنوات القادمة، أو أنه مرتبط حصراً بتهديد تستشعره، ويريد تحميلها وزر تبعات كورونا عالمياً، وبالتالي مطالبتها بتعويضات مادية قد تؤدي إلى إفلاسها؟

الميادين