أحمد الدرزي 


يشكّل بقاء جزء كبير من الأراضي السورية خارج سيطرة دمشق تهديداً ثالثاً لها، وخصوصاً منطقة الجزيرة السّورية.

أصبح واضحاً لجميع الحلفاء والخصوم والأعداء أنَّ نتائج الاستحقاق الرئاسي السوري محسومة، وتعبّر عن خلاصة نتائج صراع دولي وإقليمي ومحلّي متشابك ومعقد على مدى أكثر من 76 عاماً، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وإفرازاتها في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا. وفيها تغيّرت التموضعات الجيوسياسية للدول وتبدّلت، وخصوصاً بعد انسحاب مصر من دورها الإقليمي الفاعل وانتقالها إلى ظل دول لا يوجد دور تاريخي لها، وعودة إيران إلى السياق التاريخي الطبيعي لمنطقة الحضارات والإمبراطوريات التي استمرَّت قرابة 3 آلاف عام كمركز لحركة التاريخ والإمبراطوريات، بينما بقيت سوريا الجدار العربي الأخير في مواجهة مشروع الهيمنة الغربي النيوليبرالي المتوحش.

التحدّيات
تواجه "دمشق ما بعد الاستحقاق الرئاسيّ" مجموعة من التهديدات الداخلية التي تتطلَّب نمطاً مختلفاً من المعالجات، مغايراً لفترة الحرب وما قبلها؛ فعلى الصعيد الاقتصادي الذي يعتبر الأكثر إلحاحاً للعمل عليه، هناك مجموعة من المشاكل الكبرى، أولها فقدان الموارد المالية التي كانت تتدفّق من المصادر النفطية والزراعات الاستراتيجية في الجزيرة السورية، التي أصبحت من الناحية الفعلية تحت سيطرة الاحتلال الأميركي، وفقدان الدورة الاقتصادية الطبيعية النامية بقوة لمصلحة الاقتصاد الموازي الذي يعتبر إفرازاً طبيعياً لأغلب الحروب، رغم ما يشكّله من ضغوط على الشريحة الأضعف في المجتمعات، التي تتحمّل العبء الأكبر من نفقاتها وكوارثها.

ثانياً، التهديد الاجتماعي الذي عمَّق الأزمة السوريَّة، سواء على مستوى النزوح الداخلي أو الهجرة الخارجية، بما يتجاوز 10 ملايين سوري، وما رافق ذلك من خسارة للخبرات العالية الكفاءة، والتي تحتاجها سوريا لإعادة بناء الدولة والإعمار، ولا يمكن استردادها ما لم تتوفر الظروف الأمنية المستقرة والسبل الأساسية لحياة معيشية مقبولة، إضافةً إلى فقدان جيل شبه كامل من الشباب، نتيجة هجرتهم، وهم عِماد أي نهضة سورية جديدة إذا ما تم العمل عليها.

يشكّل بقاء جزء كبير من الأراضي السورية خارج سيطرة دمشق تهديداً ثالثاً لها، وخصوصاً منطقة الجزيرة السّورية الّتي تخضع لسيطرة الاحتلال الأميركي والتركي، وتشكل مواردها النفطية والغازية نحو 90% من إجمالي الموارد السورية، إضافة إلى الموارد الغذائية الأساسية التي تشكل 57% من السلة الغذائية السورية والزراعات الاستراتيجية، كالقطن، ومناطق شمال غرب الفرات في جرابلس وعفرين وإدلب، التي احتلَّها الجيش التركي مباشرةً أو بواجهات سورية إسلاموية. 

ولا تغيب منطقة التنف عن المشهد، وهي التي تخضع للسيطرة الأميركية بشكل كامل، وتؤدي القاعدة العسكرية الأميركية فيها دور قاطع الطريق للعلاقات الطبيعية بين مناطق الهلال الخصيب في بلاد الشام والعراق. تشكّل هذه المناطق المحتلّة ما يقارب 35% من مجمل الأراضي السورية المتبقية، ويشكّل استمرارها تهديداً اقتصادياً وسياسياً وأمنياً لمستقبل الدولة السورية. 

يأتي التهديد السياسي رابعاً، وهو لا ينفصل عن بقية التهديدات ويتداخل معها، فطبيعة توزع السيطرة والاحتلالات أفرزت وقائع على الأرض لا يمكن تجاوزها بسهولة، فقد أصبحت سوريا أمام 3 وقائع متباينة وفّرتها نتائج الحرب.

على أرض الواقع، هناك تجربة دمشق التي ما زالت تحوز الشرعية الدولية، رغم كل الحرب التي شنّها عليها أعداؤها، وهناك واقع الجزيرة السورية الذي أفرز واقعاً سياسياً جديداً وُلد من رحم القضية الكردية، وفق المفهوم الأوجلاني، فأقام الإدارة الذاتية التي تتناقض مع مفهوم الدولة المركزية الذي تعتمده دمشق، على الرغم من عدم اعتراف الإدارات الأميركية الثلاث المتعاقبة والدول الغربية الداعمة لهذه الإدارة، وعلى الرغم من كل الدعم العسكري والسياسي واستمرار تواجد الاحتلال العسكري الأميركي في المنطقة، إضافةً إلى مخاطر استمرار بقاء تيار الإسلام السياسي العنفي بأشكاله المختلفة، إن كان مخفياً في مناطق سيطرة دمشق أو في المناطق التي استطاعت أن تؤسّس لها إمارات إسلامية كواجهات للاحتلال التركي في شمال سوريا.

تعتبر إعادة الإعمار مشكلة مستعصية على الحل حتى الآن، وخصوصاً أن هذه المسألة ترتبط في الصميم بالتهديدات السابقة، وتعتبر معوقاً أساسياً لمواجهة التحديات السابقة، ولا يمكن أن تبدأ إلا في بيئة داخلية وإقليمية مغايرة لما هي عليه الآن، وتحتاج إلى تثبيت وقائع ميدانية على الأرض، وإلى استقرار أمني وبيئة استثمارية جاذبة مترافقة مع بيئة إقليمية متفاهمة مع سوريا ضمن إطار وحدة أراضيها وسيادتها وخروج قوى الاحتلال منها.

لا شكّ في أنَّ قائمة التحديات كبيرة، ولا تتوقّف عند ما تم ذكره، فهناك تحديات إدارية وبيروقراطية وتفشٍ للفساد على أوسع مستوى، وهناك تحديات التربية والتعليم التي تعتبر الأساس الحقيقي لإعادة بناء الدولة، وتحديات الهوية الوطنية التي أصابها الريب والتّشتّت.

الفرص
على الرغم من كل التحديات والتهديدات، هناك مجموعة من الفرص أمام دمشق يجدر بها اقتناصها بالحد الأقصى، وخصوصاً أنها تعتبر نفسها صاحبة دور أساسي لا غنى عنه في محور استطاع مواجهة اجتياح غربي لمنطقة غرب آسيا على مدى أكثر من 4 عقود، بعد غياب مصر عن المشهد الإقليمي، ما انعكس على رؤية معظم القوى التي تدخّلت عسكرياً وأمنياً في الشأن السوري، فكان لحسمها مسألة موقعها الجيوسياسي بين عالمين متناقضين في الرؤية لشكل العالم القادم دور كبير في جذب حلفاء أقوياء لم يتركوها وحدها في كلّ الساحات، ما أتاح لها مجموعة من الفرص، أولها استراتيجية الإدارة الأميركية بالتخفّف من أحمال حروبها على مدى عقدين من الزمن في كلّ غرب آسيا، للتوجه نحو محاصرة الصين وروسيا، الأمر الذي يتطلّب منها العودة إلى الاتفاق النووي ورفع العقوبات عن إيران، ما يعني غض النظر عن الاستحقاق الرئاسي السوري، وعدم معارضة نتائجه من الناحية العملية، وهو ما سينعكس بدوره على قانون "قيصر" جزئياً.

تحوَّلت التّغيرات التي بدأت تؤثّر في البيئة الإقليمية إلى فرصة، وخصوصاً توجّهات المملكة العربية السعودية التي تتعرَّض لهزائم متلاحقة في اليمن، والعدوانية الواضحة للإدارة الأميركية بقيادة جو بايدن تجاه ولي العهد محمد بن سلمان، الذي راهن على بقاء دونالد ترامب في سدة الرئاسة الأميركية، إضافة إلى تعرّض منشآتها الاقتصادية الحساسة لضربات الصواريخ اليمنية، ما دفع ولي العهد إلى التموضع مع ما يرضي الإدارة الأميركية وفتح القنوات للتفاهم مع طهران ودمشق، استعداداً للتعاطي مع نطام إقليمي قيد التشكل. وقد سبقتها بذلك حليفتها الإمارات العربية المتّحدة.

ولم تكن قطر المرتبطة بتركيا بشكل كامل بعيدة عما يحصل في الإقليم، فكان للدور الروسي الأثر الكبير للاقتراب من دمشق والعمل على حلّ سياسيّ لمصلحة دمشق، بما يخدم المصالح القطرية بإعادة الاصطفاف، رغم ارتباطها بدعم تنظيم الإخوان المسلمين العالمي والجماعات الإسلامية في سوريا. 

تبقى تركيا التي تعتبر الأكثر تهديداً لسوريا حتى الآن في موقع التردّد، بفعل تورّطها الكبير المدمر والواسع الذي قاده رئيسها رجب طيب إردوغان في سوريا. رغم ذلك، هناك فرصة بعد تآكل الاقتصاد التركي النشط، وانخفاض قيمة العملة التركية الكبير، وتنامي المعارضة الداخلية له بشكل واسع، والأهم من كل ذلك موقف الإدارة الأميركية العدائي منه حتى الآن.

وقد منح تأديب المقاومة الفلسطينية لتل أبيب فرصة كبيرة لسوريا بعودتها إلى القضية الفلسطينية، بعد استقبالها قادة فصائل المقاومة، وبروز مؤشرات عودة حركة "حماس" إلى دمشق، وعودة الأخيرة مركزاً لقوى المقاومة، ما جعل محور طهران دمشق صاحب الكلمة الأكثر تأثيراً في مستقبل المنطقة ككل، ودفع إلى انحسار القدرة الإسرائيلية على التأثير في مسار المفاوضات المستمرة بين طهران وواشنطن، ما قد يجعلها تعيد حساباتها كثيراً لضرب الداخل السوري.

كلّ هذه الفرص تستطيع توفير بيئة إقليمية مريحة لدمشق، للبدء بالتعاطي مع الداخل السوري بطريقة مختلفة عن مرحلة الحرب وما قبلها، من منطلق شعار الأمل بالعمل الذي يترقَّب السوريون البدء به بعد الاستحقاق الرئاسي بمؤشرات أوليّة إيجابيّة، لردم الفجوة الداخلية بين الحلم والواقع، بعد صبر مديد هو الأشد قسوة في تاريخ سوريا كلها.

الميادين نت